ما بعد الانتخابات المغربية: من يقرأ صمت الذين غابوا عن الصناديق؟

0
87

38.02 في المائة. رقم خرج من صناديق الاقتراع المغربية يوم 23 شتنبر، لكنه يفتح نقاشاً يتجاوز النتائج التي أعلنتها وزارة الداخلية. ففي انتخابات 2026، تراجعت المشاركة من 50.35 في المائة سنة 2021 إلى 38.02 في المائة، في وقت كانت فيه البلاد تحمل إلى يوم الاقتراع أسئلة اجتماعية واقتصادية وسياسية ثقيلة.

الانتخابات التشريعية المغربية عرفت نسب مشاركة منخفضة في محطات سابقة، من بينها 2007 التي سجلت نحو 37 في المائة. لذلك فإن وصف اقتراع 2026 بأنه الأضعف في تاريخ المملكة يحتاج إلى تصحيح تاريخي. لكنه يظل، وفق المعطيات المنشورة، الأدنى منذ انتخابات 2011، وهو ما يجعل الرقم جزءاً أساسياً من قراءة المرحلة الجديدة.

ماذا يعني أن يذهب أقل من أربعة ناخبين من كل عشرة إلى صناديق الاقتراع؟ هل يتعلق الأمر بتراجع الاهتمام بالانتخابات، أم بمسافة متزايدة بين الخطاب الحزبي وانتظارات المواطنين، أم بمزيج من عوامل اقتصادية واجتماعية وسياسية يصعب اختزاله في تفسير واحد؟

الرقم لا يجيب عن هذه الأسئلة بمفرده. لكنه يجعل تجاهلها أكثر صعوبة.

عندما تتغير الخريطة ولا تختفي الأسئلة

حزب الأصالة والمعاصرة تصدر النتائج الأولية بـ97 مقعداً، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66، ثم حزب الاستقلال بـ65. وعاد حزب العدالة والتنمية إلى الواجهة البرلمانية بـ54 مقعداً، بعد أن حصل على 13 مقعداً في انتخابات 2021.

هذه الأرقام ترسم خريطة مختلفة عن تلك التي خرجت بها الانتخابات السابقة، لكنها لا تمنح أي حزب الأغلبية المطلقة داخل مجلس النواب. فالحكومة المقبلة ستحتاج إلى ائتلاف، في ظل أغلبية برلمانية تبلغ 198 مقعداً من أصل 395.

هنا تبدأ مرحلة أخرى من السياسة المغربية. الأحزاب التي تنافست على الأصوات ستجلس إلى طاولة المشاورات، وستصبح العلاقات بينها، والبرامج التي يمكن أن تجمعها، وتوزيع المسؤوليات، عناصر أساسية في تشكيل الحكومة.

غير أن التقارب بين الأحزاب في عدد المقاعد لا يعني بالضرورة تقارباً في المواقف أو في شروط التفاوض. كما أن الخلافات التي ظهرت أثناء الحملة لا تجعل التعاون اللاحق مستحيلاً، ولا تضمن في الوقت نفسه أن يكون التحالف منسجماً. الحكم على ذلك سيحتاج إلى ما سيعلن من اتفاقات وبرنامج حكومي، ثم إلى ما سيظهر في الممارسة.

الصامتون الذين لا نعرف ماذا قالوا

في كل انتخابات، يترك الغائبون عن صناديق الاقتراع مساحة واسعة للتأويل. ويمكن أن يكون عدم التصويت تعبيراً عن عدم الثقة، أو عن عدم الاقتناع بالخيارات المتاحة، أو عن أسباب أخرى تتعلق بالظروف الشخصية والاجتماعية أو بالاهتمام السياسي.

لهذا السبب، فإن تسمية هذه الفئة بـ«حزب الصامتين» تظل استعارة صحافية، لا حزباً قائماً ببرنامج موحد وموقف معلن. لا نملك دليلاً يثبت أن جميع من لم يصوتوا أرادوا إيصال الرسالة نفسها.

لكن الأحزاب لا تستطيع أن تتعامل مع انخفاض المشاركة باعتباره رقماً بلا دلالة سياسية. فقد سبقت الانتخابات احتجاجات شبابية ومطالب اجتماعية مرتبطة بالتشغيل والأجور والعدالة الاجتماعية، وهي ملفات وردت في التغطيات الدولية للانتخابات باعتبارها جزءاً من السياق الذي تواجهه الحكومة المقبلة.

هل كانت هذه القضايا سبباً مباشراً في غياب كل من لم يصوت؟ لا تثبت النتائج وحدها ذلك. لكنها تجعل علاقة الأحزاب بالمواطنين، وطريقة استجابتها للمطالب الاجتماعية، من الأسئلة التي سترافق المرحلة المقبلة.

حكومة جديدة أمام اختبار قديم

المشاورات الحكومية ستجري في ظل خريطة برلمانية متغيرة. وسيكون على الحزب المتصدر أن يبحث عن شركاء لتشكيل أغلبية، بينما ستحدد الأحزاب الأخرى مواقفها من البرنامج الحكومي ومن توزيع المسؤوليات.

الرهان لا يرتبط فقط بتشكيل الحكومة، وإنما بما ستفعله بعد تشكيلها. فالملفات التي حضرت في النقاش الانتخابي، من التشغيل إلى القدرة الشرائية والخدمات العمومية، ستظل قائمة خارج قاعات المشاورات.

والحكومة التي ستخرج من هذه النتائج ستعمل أيضاً في سياق الاستعدادات المرتبطة بكأس العالم 2030، وهي ورش تضع أمام الدولة والأحزاب أسئلة حول الاستثمار، وفرص الشغل، وتوزيع آثار النمو.

في هذا السياق، سيكون من المشروع أن يسأل المواطن عن الفرق بين ما يسمعه في الحملة وما يراه بعد تشكيل الحكومة. لكن الإجابة عن هذا السؤال لن تأتي من الخطاب وحده، بل من القرارات والنتائج التي يمكن تتبعها ومساءلة المسؤولين عنها.

ما بعد إعلان النتائج

الانتخابات أفرزت ترتيباً جديداً للأحزاب، وفتحت الطريق أمام مشاورات تشكيل الحكومة. وفي الوقت نفسه، أظهرت نسبة المشاركة أن جزءاً كبيراً من المسجلين لم يشارك في الاقتراع.

هذه المعطيات لا تكفي وحدها لإصدار حكم شامل على علاقة المغاربة بالسياسة، لكنها تفرض على الأحزاب أن تضع المشاركة والثقة والتمثيلية ضمن الأسئلة التي ستواجهها في المرحلة المقبلة.

أما ما سيمنح هذه الأسئلة معناها الفعلي، فسيظهر في طريقة تشكيل الحكومة، وفي برنامجها، وفي علاقتها بالبرلمان، وفي قدرتها على التعامل مع الملفات التي تشغل المواطنين. فالنتيجة الانتخابية تنهي يوم الاقتراع، لكنها لا تنهي النقاش حول ما ينتظره المجتمع من المؤسسات التي خرجت من صناديقه.