الحركة الشعبية على باب الحكومة… أم خارجها؟ أوزين يدخل المشاورات والـ207 مقاعد تفتح حساباً آخر

0
125

دخلت مشاورات تشكيل الحكومة أسبوعها الثاني، لكن اللقاء الذي جمع فاطمة الزهراء المنصوري بمحمد أوزين مساء الثلاثاء 6 أكتوبر قد يكون أهم من مجرد محطة جديدة في جدول المشاورات. فالحركة الشعبية جاءت إلى مقر الأصالة والمعاصرة في الوقت الذي كانت فيه صيغة أخرى للأغلبية تتقدم في الكواليس: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية.

هذه الصيغة، وفق الحسابات البرلمانية المتداولة، تجمع 207 مقاعد من أصل 395، أي أنها تتجاوز عتبة الأغلبية المطلقة المحددة في 198 مقعداً.

الرقم مهم، ليس لأنه يحسم الحكومة، وإنما لأنه يغير طبيعة السؤال المطروح على المنصوري. عندما تكون أمامها تركيبة قادرة عددياً على تنصيب الحكومة، يصبح انضمام حزب إضافي قراراً سياسياً وتفاوضياً أكثر منه حاجة حسابية ملحة.

وهنا بالضبط تظهر الحركة الشعبية.

في الجولة الأولى، كان محمد أوزين واحداً من الأمناء العامين الذين التقتهم المنصوري. وقال بعد ذلك إن النقاش تناول الشباب والتحديات الاقتصادية والتنموية والسياسية، وإن الطرفين وصلا، بحسب تعبيره، إلى قناعة بالحاجة إلى «قطيعة إيجابية مع المرحلة السابقة». آنذاك كانت كل الاحتمالات مفتوحة، وكانت حتى وسائل إعلام عربية، بينها الجزيرة، تضع الحركة الشعبية ضمن أكثر الصيغ الممكنة لتشكيل الأغلبية.

لكن الجولة الثانية مختلفة.

في 6 أكتوبر، جلست المنصوري أولاً مع محمد جودار، الأمين العام للاتحاد الدستوري، وعبد الصمد عرشان، الأمين العام للحركة الديمقراطية الاجتماعية، ثم استقبلت أوزين مساءً. وفي اليوم السابق كانت قد التقت نبيل بنعبد الله وإدريس لشكر. هذا الترتيب الزمني لا يكفي وحده لإثبات هندسة نهائية، لكنه يكشف أن النقاش انتقل من سؤال «من يريد المشاركة؟» إلى سؤال أكثر حساسية: من تحتاجه المنصوري فعلاً داخل الحكومة؟

في هذا المستوى تظهر رواية «صوت المغرب» بوضوح أكبر. الصحيفة نقلت عن مصدر قيادي داخل الأصالة والمعاصرة أن السيناريو المتداول داخل دوائر التفاوض لا يضع الحركة الشعبية ضمن التركيبة الحكومية المرتقبة، رغم أن المنصوري استقبلت أوزين في اليوم نفسه. وفي الرواية ذاتها، تتقدم صيغة تضم «البام» والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية، بينما يبقى الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية ضمن مكونات يمكن التعامل معها بصورة موحدة.

لكن بعد ساعات ظهرت رواية أخرى.

«بلبريس» نقلت في 7 أكتوبر عن مصدر من داخل «البام» أن المنصوري حسمت، بشكل كبير، أحزاب أغلبيتها، وذكرت خمسة أحزاب: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية. ووفق هذا السيناريو، ترتفع القاعدة البرلمانية إلى 236 مقعداً.

الفارق بين الروايتين ليس صغيراً. إنه 29 مقعداً، لكنه سياسياً يعني شيئاً أكبر: هل تريد المنصوري حكومة بأقل عدد ممكن من الشركاء الذين يضمنون لها الأغلبية، أم حكومة أوسع تملك هامشاً أكبر في البرلمان؟

حتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي يحسم واحدة من الصيغتين.

وهذا يجعل لقاء أوزين أكثر قابلية للقراءة من زاوية التفاوض نفسه. فوجود الحركة الشعبية على طاولة المشاورات لا يعني تلقائياً أنها داخل الحكومة، كما أن الحديث عن خروجها من الحسابات لا يعني أن الباب أغلق نهائياً.

هناك سبب آخر يجعل موقع الحركة الشعبية قابلاً للتفاوض. الحزب يملك 29 مقعداً، وهي كتلة ليست كافية لصناعة أغلبية بمفردها، لكنها تصبح ذات قيمة عندما تكون المنصوري بصدد ضبط هامش الأغلبية وتوزيع المواقع داخل الحكومة والبرلمان.

وفي هذا السياق، ظهرت تقارير تحدثت عن سقف تفاوضي مرتفع وضعه أوزين. «الأيام 24» نقلت عن مصادر مطلعة أن مطالب الحركة الشعبية تشمل رئاسة مجلس النواب وثلاث حقائب وزارية وكتابتي دولة، بينما أوردت «نيشان» المعطيات نفسها تقريباً. هذه المعلومات غير معلنة رسمياً من الحزب، ولذلك لا يمكن التعامل معها باعتبارها شروطاً نهائية للحركة الشعبية، لكنها تساعد في تفسير لماذا قد يصبح إدخال الحزب إلى الحكومة أكثر تعقيداً من مجرد إضافة 29 صوتاً إلى الأغلبية.

إذا صحت هذه المعطيات، فإن النقاش لا يعود متعلقاً بعدد المقاعد فقط. رئاسة مجلس النواب، تحديداً، تخرج من خانة الحقائب الحكومية إلى هندسة السلطة التشريعية نفسها. وقد أشارت تحليلات سابقة إلى أن مشاورات الحكومة تشمل بالفعل رئاسة المجلس ومكتبه، إلى جانب توزيع القطاعات الوزارية وصياغة البرنامج الحكومي.

وهذا يفسر شيئاً في طريقة إدارة المنصوري للمفاوضات: الحزب الذي لا تحتاج إليه حسابياً قد يصبح مكلفاً سياسياً إذا طلب موقعاً كبيراً، والحزب الذي تحتاج إليه عددياً قد يرفع سقف مطالبه كلما ضاقت البدائل أمام رئيسة الحكومة المكلفة.

الحركة الشعبية ليست وحدها أمام هذا الاختبار.

الاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية دخلا الجولة الثانية معاً تقريباً، بعد الإعلان عن العمل ضمن فريق برلماني مشترك. ولقاء جودار وعرشان مع المنصوري في اليوم نفسه جعل الحزبين يظهران ككتلة تفاوضية صغيرة ولكنها منظمة.

أما التقدم والاشتراكية، فقد أعطى بعد لقاء بنعبد الله إشارات أكثر وضوحاً، إذ تحدث أمينه العام عن «تجاوب وتقاطع كبير» في عدد من القضايا، فيما فوضت اللجنة المركزية للحزب مكتبه السياسي مواصلة المشاورات. والاتحاد الاشتراكي بدوره أصبح، وفق مصادر صحافية داخل «البام»، أقرب إلى المشاركة في الحكومة.

ومن هذه الزاوية، يصبح رقم 207 أكثر من عملية جمع حسابية.

فالأصالة والمعاصرة، بـ97 مقعداً، يحتاج إلى شركاء. الاستقلال يضيف 65، والاتحاد الاشتراكي 26، والتقدم والاشتراكية 19. النتيجة 207. أي أن هذه التركيبة تتجاوز الأغلبية المطلقة بتسعة مقاعد، من دون الحركة الشعبية ومن دون التجمع الوطني للأحرار.

هذا ما يجعل سيناريو إخراج الحركة الشعبية من الحكومة ممكناً حسابياً.

لكن الحساب لا يصنع السياسة وحده.

فإذا اختارت المنصوري هذه الصيغة، فإنها ستكون قد بنت أغلبية جديدة بعيداً عن التجمع الوطني للأحرار الذي كان يقود الحكومة السابقة، وبعيداً أيضاً عن الحركة الشعبية التي كانت جزءاً من المشهد الحكومي السابق. وستكون قد أعادت إلى الحكومة أحزاباً من مشارب مختلفة، بينها مكونات ما يعرف بالكتلة الديمقراطية، تحت قيادة حزب الأصالة والمعاصرة الذي تصدر الانتخابات.

وهنا تكتسب تصريحات نجوى كوكوس، رئيسة المجلس الوطني لـ«البام» وعضو لجنة تدبير مفاوضات الأغلبية، أهمية خاصة. ففي حوار مع الجزيرة، قالت إن الحزب يريد تغيير المسار بسبب عدم رضاه عن التجارب الحكومية السابقة، وتحدثت عن حكومة تقوم على سياسات مندمجة بدل التدبير القطاعي المنفصل. كما أكدت أن الحزب لم يبدأ بعد، وفق كلامها، التفاوض حول توزيع القطاعات والوزارات.

إذا كانت هذه هي الفلسفة التفاوضية التي يريد «البام» فرضها، فإن توسيع الحكومة بلا ضرورة عددية قد يتعارض معها. حكومة بخمسة شركاء ليست بالضرورة أكثر انسجاماً من حكومة بأربعة، خصوصاً عندما يبدأ توزيع الوزارات والمواقع البرلمانية.

لكن هناك وجه آخر للمسألة.

الجزيرة كانت قد نقلت، في بداية المشاورات، قراءة أكاديمية تعتبر أن أمام المنصوري عدة صيغ، بينها صيغة تضم «البام» والاستقلال والحركة الشعبية والاتحاد الدستوري والحركة الديمقراطية الاجتماعية، مع إمكانية إضافة الأحرار. كما طرحت صيغة أخرى تقوم على الاستقلال والاتحاد الاشتراكي وتحتاج إلى شريك ثالث، بينما اعتبرت أن موقع الأحرار سيكون من أكثر العناصر حساسية في المعادلة الجديدة.

بمعنى آخر، لم تبدأ فكرة استبعاد الحركة الشعبية من فراغ، كما أنها لم تكن منذ البداية الخيار الوحيد.

المتغير الحقيقي هو ما حدث بعد الجولة الأولى.

الأحرار تراجع انتخابياً مقارنة بموقعه في الحكومة السابقة، والحركة الشعبية حافظت على وزن برلماني يمكن أن يجعله شريكاً محتملاً، فيما تقدم الاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية نحو مركز التفاوض. وفي المقابل، أعلن العدالة والتنمية وتحالف اليسار اختيارهما المعارضة، ما ضيق جزءاً من الخريطة لكنه ترك أمام المنصوري مجالاً واسعاً للاختيار.

لذلك، فإن إخراج الحركة الشعبية من الحكومة، إذا تأكد، لن يكون نتيجة ضعف عدد مقاعدها. بالعكس، 29 مقعداً تجعلها رقماً مفيداً. المسألة ستكون أقرب إلى ثمن المشاركة وموقع الحزب داخل الهندسة الجديدة.

وهنا يمكن فهم لماذا ظل أوزين مدعواً إلى الجولة الثانية حتى مع تداول رواية تقول إن حزبه خارج التركيبة.

التفاوض لا يبدأ دائماً من الاتفاق؛ أحياناً يبدأ بتحديد قيمة البديل.

إذا كانت المنصوري تستطيع تشكيل أغلبية بـ207 مقاعد، فإن الحركة الشعبية تدخل التفاوض وهي تعرف أن هناك صيغة أخرى يمكن أن تقوم من دونها. وإذا كانت المنصوري تريد 236 مقعداً، فإن أوزين يعرف أيضاً أن وجود بديلين يعطيه مجالاً للمطالبة بموقع أكبر. وبين الرقمين تتحدد قيمة الـ29 مقعداً.

لهذا تبدو الحركة الشعبية اليوم في وضع سياسي غريب: حاضرة بقوة في المشاورات، لكنها ليست ضرورية بالضرورة في الأغلبية.

وحتى الروايات الإعلامية المتناقضة حول موقعها تؤكد أن الملف لم يحسم بعد. مصدر بامي يتحدث عن أغلبية تضم الحركة الشعبية، ومصدر بامي آخر ينقل أنها خارج الحسابات. الصحافة نفسها لا تقدم قراراً رسمياً، وإنما تنقل ما يتسرب من غرف التفاوض.

والأهم أن المنصوري لم تعلن بعد توزيع الحقائب ولا أسماء الوزراء ولا الصيغة النهائية للأغلبية. حتى التغطيات التي تتحدث عن «الحسم» تعترف بأن التفاصيل التنظيمية والسياسية لا تزال في طور الاستكمال.

لهذا، فإن الحديث عن خروج الحركة الشعبية ينبغي أن يبقى في صيغة الترجيح، لا الخبر القطعي.

لكن إذا استقرت في الأيام المقبلة صيغة الـ207 مقاعد، فإن حضور أوزين في الجولة الثانية سيُقرأ بأثر رجعي بطريقة مختلفة: سيكون قد جاء إلى المشاورات في اللحظة التي كانت فيها المنصوري تختبر ما إذا كانت تحتاج إلى «السنبلة» داخل الحكومة، أم تستطيع الاحتفاظ بها خارجها كشريك محتمل في البرلمان أو كطرف يمكن التفاوض معه حول ملفات محددة.

أما إذا عادت الحركة الشعبية إلى التركيبة، فسيكون الرقم 236 هو الذي يشرح القرار.

بين 207 و236 لا توجد فقط 29 مقعداً. توجد حكومتان محتملتان، وهندستان مختلفتان للتحالف، ومقايضة مختلفة بين اتساع الأغلبية وكلفة توزيع السلطة.

والمشاورات، في نهايتها، ستكشف أي الرقمين كان أقرب إلى الحساب الحقيقي للمنصوري: أغلبية تكفيها، أم أغلبية تريدها أوسع مما يكفيها.