«عمر العيب ما يجي منا».. الأحرار يغيّرون قواعد اللعب: لا نطلب الحكومة ولا نستجدي المعارضة

0
119

الجملة التي خرجت من داخل التجمع الوطني للأحرار تبدو، للوهلة الأولى، عابرة: «عمر العيب ما يجي منا». لكن وضعها في توقيت المشاورات الحكومية يجعلها أكثر دلالة مما توحي به بساطتها.

مصدر قيادي في الحزب قال إن الأحرار لا يريدون أن يكونوا الطرف الذي يضغط من أجل المشاركة في الحكومة المقبلة، كما أنهم لا يستبقون المشاورات بإعلان الانتقال إلى المعارضة. الحزب، وفق الرواية نفسها، يريد أن يترك الباب مفتوحاً، وأن يضع نتيجة المفاوضات أمام مؤسساته، من دون أن يظهر في موقع من يطلب مقعداً أو يفرض شرطاً للدخول.

هذه النقطة تستحق التوقف عندها، لأن الموقف الرسمي الذي خرج عن المجلس الوطني للحزب في 3 أكتوبر لا يتحدث عن انسحاب إلى المعارضة. المجلس عبّر صراحة عن استعداد التجمع الوطني للأحرار للمشاركة في الحكومة، وفوّض رئيس الحزب محمد شوكي تدبير هذه المشاركة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية.

إذن، نحن أمام مستويين متوازيين داخل الموقف التجمعي: القرار المؤسساتي يفتح الباب أمام المشاركة، بينما الخطاب الذي ينقل من داخل الحزب يرفض تحويل هذا الاستعداد إلى طلب سياسي مستعجل.

وهذا الفارق مهم.

فالحزب الذي احتل المرتبة الثانية في الانتخابات التشريعية الأخيرة، وفق المعطيات المنشورة، لا يملك مهمة تشكيل الحكومة. هذه المهمة السياسية أصبحت بيد الأصالة والمعاصرة، الحزب المتصدر للانتخابات، والذي انطلقت من داخله مشاورات تشكيل الأغلبية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري. وقد فوّض المجلس الوطني لـ«البام» المنصوري تدبير المشاورات.

أما من الناحية الدستورية، فالفصل 47 يربط تعيين رئيس الحكومة بالحزب السياسي الذي تصدر انتخابات مجلس النواب، فيما يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيسها. وبعد تعيين أعضاء الحكومة، يعرض رئيسها البرنامج الحكومي أمام البرلمان، ولا تصبح الحكومة منصبة إلا بعد حصولها على ثقة مجلس النواب بالأغلبية المطلقة لأعضائه.

المسألة، لذلك، ليست من يملك «حق» دخول الحكومة. لا يوجد في النظام الدستوري ما يجعل المرتبة الثانية في الانتخابات حقاً تلقائياً في الاستوزار. المشاركة نتيجة تفاوض سياسي بين الأحزاب التي يمكن أن تشكل أغلبية قادرة على دعم البرنامج الحكومي.

من هنا يمكن فهم عبارة القيادي التجمعي بشكل مختلف.

حين يقول إن «العيب لن يأتي من الأحرار»، فهو لا يعلن قراراً بالمعارضة، ولا يطالب الحكومة المقبلة بضم الحزب. هو يرسم، بحسب تصريحه، حدوداً لسلوك الحزب أثناء التفاوض: لن نركض وراء المشاركة، ولن نتحمل مسؤولية تعطيلها إذا اختارت قيادة الأغلبية عدم إشراكنا.

والأهم أن هذا الخطاب يأتي بعد قرار مؤسساتي منح محمد شوكي هامش تدبير ملف المشاركة. شوكي نفسه قال في المجلس الوطني إن الأحرار سيؤدون مسؤوليتهم من الموقع الذي تختاره مؤسسات الحزب، وإن المصلحة العليا للوطن ستكون معيار القرار.

بهذا المعنى، أصبح السؤال داخل الأحرار أقل ارتباطاً بـ«هل ندخل؟» وأكثر ارتباطاً بـ«كيف ندخل، إن كان الدخول هو الخيار؟».

وهذه مسافة سياسية مهمة.

فالدخول إلى الحكومة بعد انتخابات جديدة ليس مجرد إضافة عدد من الوزراء إلى تركيبة تنفيذية. هناك حصيلة خمس سنوات، وهناك نتائج انتخابية تراجعت مقارنة بما كان عليه موقع الحزب في الولاية السابقة، وهناك أيضاً إعادة ترتيب لموازين القوى داخل البرلمان. والمجلس الوطني للأحرار نفسه وصف نتائج الحزب، رغم التراجع، بأنها تؤكد استمرار قوته السياسية، مع تأكيده الاستعداد للمشاركة.

في المقابل، تظهر في «البام» أصوات لا تخفي تحفظها على استمرار التحالف مع الأحرار. فقد نقلت تقارير عن مداخلات داخل المجلس الوطني للحزب اعتراض هشام المهاجري على التحالف مع التجمع الوطني للأحرار، في وقت طالبت فيه أصوات أخرى بترك هامش أوسع للجنة المشاورات.

هنا تبدأ العبارة التجمعية في اكتساب وزنها الحقيقي.

الأحرار يعرفون أن وجود رغبة داخل بعض مكونات الحزب المتصدر في عدم إشراكهم لا يحتاج إلى رد علني من جانبهم. وفي الوقت نفسه، لا يستطيعون التعامل مع تلك المواقف وكأنها قرار نهائي لـ«البام»، لأن المؤسسة التي تدير المشاورات لم تصدر قراراً يستبعد التجمع من الحكومة المقبلة. بل إن المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة ترك للمنصوري مهمة تدبير الاتصالات والخيارات المتعلقة بالتحالف.

لذلك يبدو أن شوكي يترك الباب مفتوحاً من الجهتين.

إذا جاءت الدعوة للمشاركة، فالحزب يملك تفويضاً مؤسساتياً للتفاوض. وإذا لم تأتِ، يستطيع القول إنه لم يضغط ولم يساوم من أجل الاستوزار، وإن القرار صدر من الطرف الذي يقود تشكيل الأغلبية.

هذه ليست بالضرورة مناورة بالمعنى السلبي للكلمة؛ إنها، في حدود ما تثبته المعطيات، طريقة لإدارة موقع تفاوضي حساس.

واللافت أن أحزاباً أخرى دخلت بدورها إلى هذه المرحلة بتفويضات مؤسساتية متفاوتة، فيما انتقلت المشاورات من مجرد اتصالات أولية إلى بحث فعلي في تركيبة الأغلبية المقبلة.

وهنا تصبح عبارة «لا نضغط» ذات معنى عملي: كل حزب يريد أن يعرف أولاً من يحتاج إلى من، وما حجم الأغلبية المطلوبة، وما البرنامج الذي ستقوم عليه الحكومة، قبل تحويل الرغبة في المشاركة إلى التزام سياسي.

الأحرار، بحسب هذا التصريح، لا يريدون أن يضعوا أنفسهم في موقع الطرف الذي يقول «نحن نريد الحكومة». يريدون أن يكون القرار في الجهة التي تتولى تشكيلها، ثم يقرر الحزب، عبر مؤسساته، ما إذا كانت الصيغة المقترحة تتناسب مع موقعه السياسي والانتخابي.

والنتيجة أن الكرة تبقى في ملعب الأصالة والمعاصرة.

لكن هذا لا يعني أن قرار الأحرار قد حُسم لصالح المعارضة. المعطى الرسمي يقول العكس: الحزب مستعد للمشاركة. والمعطى الداخلي الذي نقلته الصحافة يقول إن خيار المعارضة موجود في النقاش داخل الحزب، لكنه لم يتحول إلى قرار مؤسساتي معلن.

بين هذين الحدين تتحرك المفاوضات.

وقد يكون هذا هو الجزء الأكثر أهمية في المرحلة المقبلة: ليس فقط عدد الأحزاب التي ستدخل الحكومة، وإنما من سيطلب المشاركة، ومن سيعرضها، ومن سيضع شروطها، ومن يستطيع أن يقول في النهاية إنه اختار موقعه ولم يُدفع إليه.

في السياسة، التفاصيل التي تبدو صغيرة في بداية المشاورات قد تصبح لاحقاً جزءاً من تفسير لماذا تشكلت أغلبية بهذه الصيغة دون غيرها. وفي هذه اللحظة تحديداً، لا تزال الوقائع تسمح بأكثر من قراءة، بينما القرار الرسمي للأحرار واضح في نقطة واحدة: الباب مفتوح، والمفاوضات في يد شوكي، والقرار النهائي لم يتحول بعد إلى إعلان بالمعارضة.