«عزيزي الصغير».. حين تتحول الأخوة إلى طريق لمواجهة الخوف والتحرر

0
107

دخل الفيلم المغربي «Grand-Petit Frère» («عزيزي الصغير») مرحلة العرض التجاري في القاعات السينمائية المغربية، بعد أن قطع مسافة داخل المشهد السينمائي الوطني، من بينها حضوره في المسابقة الرسمية للدورة الخامسة والعشرين للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2025 ضمن مسابقة الأفلام الروائية الطويلة. العمل من إخراج كريمة كنوني، وإنتاج رشيدة السعدي عبر شركة JanaProd، وهو فيلم يمتد على 94 دقيقة ويجمع بين الدراما والكوميديا والطريق، من خلال حكاية تبدو عائلية في بدايتها قبل أن تتسع تدريجياً إلى سؤال عن الحرية، والخوف، والاختلاف، وحدود مسؤولية الإنسان تجاه من يحب.

 

الحكاية تبدأ من لحظة صادمة: سارة، التي تستعد للذهاب إلى الجامعة وبداية مرحلة جديدة من حياتها، تعلم أن شقيقها آدم، المصاب باضطراب طيف التوحد، أُدخل إلى مؤسسة للطب النفسي. القرار الذي تتخذه بعدها يغير اتجاه القصة؛ تعود أدراجها وتقرر إخراجه، لتبدأ بينهما رحلة عبر المغرب، تتحول شيئاً فشيئاً من هروب إلى رحلة اكتشاف، ومن محاولة لحماية الأخ إلى مواجهة سارة نفسها مع أحلامها ومخاوفها.

هنا تكمن إحدى الأفكار الأساسية التي يمنحها الفيلم للحكاية: آدم هو الأخ الأكبر من الناحية العمرية، لكنه يعيش في وجدان سارة باعتباره «الأخ الصغير». ومن هذه المفارقة جاء عنوان الفيلم، الذي لا يصف فقط علاقة بين شخصين، وإنما يختصر علاقة عاطفية معقدة تتداخل فيها الحماية بالحب، والمسؤولية بالرغبة في التحرر.

الفيلم بذلك لا يجعل التوحد موضوعاً طبياً أو تشخيصياً فقط، وإنما يضع الإنسان في قلب الصورة. آدم لا يظهر باعتباره «حالة» تحتاج إلى تفسير بقدر ما يظهر باعتباره شخصية لها حضورها وعلاقتها ومكانها داخل الأسرة والمجتمع. وهذا الاختيار يمنح الفيلم فرصة للابتعاد عن الصورة النمطية التي تختزل الأشخاص ذوي اضطراب طيف التوحد في حالتهم، ويعيد النقاش إلى سؤال أكثر إنسانية: كيف يرى المجتمع الإنسان عندما يختلف عن الصورة التي اعتادها؟




لكن كريمة كنوني لا تجعل آدم وحده صاحب المعركة. سارة تخوض معركتها الخاصة أيضاً.

فهي شابة تقف عند عتبة الاستقلال، أمام الجامعة والمستقبل والحلم بحياة تختارها بنفسها. وفي اللحظة التي يبدو فيها أن عليها أن تذهب إلى الأمام، تجد نفسها مضطرة إلى العودة إلى الوراء. غير أن الفيلم يقلب معنى هذه العودة؛ فالهروب مع آدم لا يصبح تراجعاً عن المستقبل، وإنما طريقاً لاكتشاف شكل آخر منه.

ولهذا تبدو الرحلة في الفيلم أكثر من مجرد حيلة درامية للانتقال بين المشاهد. إنها العمود الفقري للحكاية. فوفق المعطيات الرسمية للفيلم، تتحرك سارة وآدم في رحلة عبر المغرب، مروراً بجبال الأطلس، وسط لقاءات ومواقف تتراوح بين الطرافة واللحظات المؤثرة. ومع كل محطة، يتغير معنى الرحلة نفسها: من الهروب إلى المصالحة، ومن الخوف إلى قدر أكبر من الحرية.

والمغرب، في هذا البناء، لا يعمل كديكور طبيعي للقصة.

الطريق يكشف جغرافيا مغربية متعددة، فيما تتحول الأمكنة والأصوات واللقاءات إلى عناصر سردية تشارك الشخصيات في صناعة التجربة. وهذا الاختيار يضع الفيلم داخل تقليد معروف في السينما المغربية، حيث لا تكون الجغرافيا مجرد خلفية للتصوير، وإنما تصبح جزءاً من هوية الحكاية. الطريق هنا يسمح للفيلم بأن ينتقل بين الخاص والعام: من أخ وأخت إلى فضاء مغربي أوسع، ومن قصة شخصية إلى أسئلة تتصل بطريقة تعامل المجتمع مع الاختلاف والأسرة والاندماج.

وهذا البعد يكتسب أهمية إضافية عندما نضع الفيلم داخل مسار كريمة كنوني نفسها. فالعمل يحمل بوضوح أثراً شخصياً، وتحول تجربة مرتبطة بأخيها إلى مادة سينمائية. وفي هذه النقطة تحديداً تتجاوز التجربة حدود السيرة الذاتية؛ إذ يصبح ما هو شخصي قابلاً لأن يتحول إلى لغة سينمائية تستطيع مخاطبة جمهور لا يعرف القصة الأصلية، لكنه يعرف مشاعر الخوف والحماية والحب والرغبة في الاستقلال.

وتظهر هذه الخصوصية أيضاً في الطريقة التي اشتغلت بها المخرجة مع الممثلين. ويضم الطاقم الرئيسي نسرين آدم في دور سارة وإسماعيل الفلاحي في دور آدم، إلى جانب سالم بنموسى ومحمد نديف وإدريس كريمي وحسناء تمتاوي. كما تكشف المعطيات الرسمية للفيلم عن اشتغال تقني يجمع بين تصوير كرينغوتا بينزارو، والمونتاج لجوليان فوري، والصوت لمهدي مرحوم الفيلالي، والموسيقى لحسن علي.

والرهان على العلاقة بين الممثلين لا يبدو تفصيلاً ثانوياً في فيلم يقوم أساساً على العلاقة الأخوية. فحين تكون الحكاية قائمة على النظرات والإيقاع اليومي والتفاصيل الصغيرة أكثر من اعتمادها على الخطابات الكبيرة، تصبح الكيمياء بين الشخصيات جزءاً من صدقية الفيلم. ومن هنا يأتي الارتجال المدروس كخيار فني يمكن أن يمنح بعض اللحظات عفوية أكبر، خصوصاً في عمل يريد أن يجعل الجمهور يشعر بأن العلاقة بين سارة وآدم تتشكل أمامه، لا أن تُشرح له باستمرار.

كما أن اختيار صيغة الـRoad Movie يفتح للفيلم مجالاً إضافياً. فسينما الطريق تقوم بطبيعتها على الحركة، لكنها في العمق تبحث عن التحول الداخلي للشخصيات. الطريق يبدأ من نقطة وينتهي في أخرى، لكن المسافة الأهم هي التي تقطعها الشخصيات داخل نفسها.

في «عزيزي الصغير»، تبدو سارة هي التي تتغير بقدر آدم، وربما أكثر. فهي تبدأ وهي تعتقد أنها مطالبة بالاختيار بين مستقبلها وبين أخيها، ثم تكتشف خلال الرحلة أن العلاقة بين الحلم والمسؤولية ليست بالضرورة علاقة إلغاء متبادل.

ومن هنا تأتي قوة العنوان نفسه.

«عزيزي الصغير» ليس مجرد اسم حميمي يطلق على أخ أكبر. إنه مفتاح لقراءة العلاقة كلها. فالأخ الذي يفترض أن يكون الأكبر يصبح «الصغير» في الذاكرة العاطفية لأخته، والأخت التي تبدو في البداية وكأنها تحاول إنقاذه، تجد نفسها في حاجة إلى اكتشاف طريقها أيضاً.

وهذه الثنائية تمنح الفيلم مساحة للحديث عن التوحد والإعاقة والاندماج من زاوية مختلفة: زاوية الأسرة، لا زاوية الخطاب التوعوي المباشر. فالمشكلة لا تختصر في الشخص المختلف، وإنما تمتد إلى الطريقة التي ينظر بها الآخرون إليه، وإلى المؤسسات التي تتعامل معه، وإلى الأسرة التي تجد نفسها أمام أسئلة يومية حول الحماية والاستقلال والكرامة.

وفي هذا السياق، تصبح لحظة إدخال آدم إلى مؤسسة للطب النفسي نقطة انطلاق للسؤال، لا إجابة عنه. الفيلم لا يحتاج إلى أن يتحول إلى مرافعة اجتماعية كي يطرح المسألة؛ يكفي أن يضع الشخصية في الطريق، ثم يترك للمشاهد أن يرى كيف يمكن أن تتغير العلاقة بين الإنسان ومحيطه عندما تخرج الشخصية من المكان الذي فُرض عليها إلى فضاء مفتوح لا يعرف كيف ستنتهي الرحلة فيه.

ومن الناحية الإنتاجية، يحمل المشروع أيضاً دلالة على استمرار حضور شركات إنتاج مغربية مستقلة في الاشتغال على سينما ذات حس اجتماعي وشخصي. وتقول المعطيات المهنية المنشورة حول JanaProd إن رشيدة السعدي، المؤسسة للشركة سنة 2007، راكمت تجربة في إنتاج وإدارة عدد من الأفلام، وأن «Grand-Petit Frère» كان ضمن مشاريعها الروائية الطويلة. كما حصل مشروع الفيلم في مرحلة التطوير على دعم من المركز السينمائي المغربي بقيمة 3.5 ملايين درهم، وفق المعطيات المنشورة عن دعم الإنتاجات السينمائية.

ووجود الفيلم ضمن المسابقة الرسمية للمهرجان الوطني للفيلم بطنجة سنة 2025 يضعه كذلك في سياق جيل من الأفلام المغربية التي تتجاور فيها القضايا الاجتماعية مع أشكال سردية مختلفة، من الدراما إلى الكوميديا والسينما القائمة على الرحلة. وقد أدرج المركز السينمائي المغربي الفيلم ضمن 15 فيلماً اختيرت للمنافسة في فئة الأفلام الروائية الطويلة في تلك الدورة.

أما وصوله إلى القاعات المغربية في أكتوبر 2026، فينقل التجربة من فضاء المهرجان والنقاد والمهنيين إلى الاختبار الأكثر مباشرة: الجمهور.

وهنا تحديداً يبدأ الجزء الآخر من الرحلة.

فالفيلم الذي صنع قصته حول شخصيتين تحاولان العثور على مساحة للحرية، يجد نفسه الآن أمام جمهور مغربي متنوع، قد يرى في الحكاية تجربة أسرية قريبة، أو موضوعاً اجتماعياً، أو ببساطة فيلماً عن أخ وأخت خرجا في رحلة ولم يعودا منها بالشكل الذي غادرا به.

وهذا ربما هو الرهان الحقيقي لـ«عزيزي الصغير»: ألا يقدم التوحد باعتباره موضوعاً ثقيلاً فقط، وألا يحول الأخوة إلى عاطفة جاهزة، وألا يجعل المغرب مجرد منظر جميل يمر خلف زجاج السيارة. الرهان أن تتحول هذه العناصر الثلاثة ــ الإنسان، والطريق، والمكان ــ إلى سينما.

ومن هذه الزاوية، فإن دخول «Grand-Petit Frère» إلى القاعات لا يمثل نهاية رحلة الفيلم، وإنما بدايتها مع الجمهور؛ رحلة ستحددها هذه المرة نظرة المتفرجين أنفسهم إلى سارة وآدم، وإلى المسافة التي يمكن أن يقطعها الحب عندما يصطدم بالخوف، ثم يقرر أن يواصل الطريق.