الدار البيضاء.. حين تصبح الثروة السياسية المشتبه فيها اختباراً لجدية الدولة في محاربة الفساد

0
206

من سؤال «من أين لك هذا؟» إلى سؤال المسؤولية السياسية والإدارية: قراءة في مقال مصطفى الفن حول قيادة مجموعة الجماعات الترابية الدار البيضاء–سطات للتوزيع.

بقلم: هيئة تحرير المغرب الآن، استناداً إلى مقال الصحفي مصطفى الفن

تفتح الملاحظات التي نشرها الصحفي مصطفى الفن حول العملية الانتخابية التي أفضت إلى تشكيل قيادة مجموعة الجماعات الترابية الدار البيضاء–سطات للتوزيع، نقاشاً يتجاوز حدود التنافس على المواقع داخل مؤسسة ترابية. فالمسألة، كما يقدمها صاحب المقال، تتعلق بمعيار اختيار من يتولون الإشراف على مرفق عمومي استراتيجي، وبمدى قدرة المؤسسات على الفصل بين الشرعية الانتخابية والمصداقية الأخلاقية والسياسية لمن يتحملون المسؤولية العامة.

الفكرة المركزية التي يدافع عنها مصطفى الفن واضحة: لا يكفي أن تتم عملية الانتخاب وفق الإجراءات القانونية حتى تكتسب نتائجها كامل مشروعيتها في نظر المجتمع. فهناك أيضاً سؤال النزاهة، وسؤال الثقة العامة، ومدى انسجام الأشخاص الذين يصلون إلى مواقع القرار مع الخطاب الرسمي الداعي إلى تخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

ومن هذه الزاوية، يضع الصحفي إصبعه على مفارقة تستحق التوقف: كيف يمكن لمؤسسة يُنتظر منها أن تساهم في تحديث تدبير الخدمات العمومية وتعزيز الحكامة أن تجد نفسها في قلب نقاش يتعلق بشبهات الإثراء غير المشروع حول بعض الأسماء التي وصلت إلى قيادتها؟

الانتخاب القانوني لا ينهي سؤال المشروعية الأخلاقية

يصف مصطفى الفن العملية الانتخابية التي جرت بجهة الدار البيضاء–سطات بأنها «شكلية»، ويستخدم تعبير «التواطؤ المسبق» لوصف ما يعتبره توجهاً نحو تثبيت أسماء سياسية بعينها في قيادة مجموعة الجماعات الترابية.

وهنا ينبغي فهم توصيفه باعتباره حكماً صحافياً وسياسياً على مخرجات العملية، وليس إثباتاً لوجود تواطؤ بالمعنى القانوني. غير أن القيمة التحليلية لهذا الموقف تكمن في السؤال الذي يفتحه: هل تتحول الانتخابات داخل بعض المؤسسات المنتخبة إلى مجرد آلية لتوزيع المواقع، أم تظل مناسبة حقيقية لاختبار الكفاءة والنزاهة والقدرة على تحمل المسؤولية؟

إن الديمقراطية المحلية لا تقاس فقط بعدد الأصوات التي يحصل عليها المرشح، وإنما أيضاً بمدى الثقة التي يستطيع بناءها مع المواطنين، وبقدرته على تدبير المال العام والمرافق العمومية بعيداً عن تضارب المصالح وشبهات الاستغلال.

وتزداد أهمية هذا السؤال عندما يتعلق الأمر بمجموعة الجماعات الترابية الدار البيضاء–سطات للتوزيع، التي ترتبط بالشركة الجهوية متعددة الخدمات المكلفة بتدبير توزيع الماء الصالح للشرب والكهرباء والتطهير السائل في واحدة من أكبر جهات المملكة.

فالأمر يتعلق بمرفق يمس الحياة اليومية للمواطنين، وباستثمارات وبنيات تحتية وموارد مالية تفرض مستوى مرتفعاً من الحكامة والمراقبة والمساءلة.

ما وراء الأسماء: اختبار حقيقي لتخليق الحياة السياسية

لا يتوقف مصطفى الفن عند نتائج الانتخاب، بل ينتقل إلى مسألة أكثر حساسية، تتمثل في حضور شخصيات سياسية يقول إن أسماءها ارتبطت في الذاكرة العامة بشبهات الفساد والإثراء المفاجئ والتعاملات النقدية غير الواضحة.

ويحرص صاحب المقال على عدم تعميم الاتهامات أو الجزم بإدانة أشخاص بعينهم، مستحضراً قرينة البراءة. وهذا التمييز أساسي، لأن إثارة الشبهة صحافياً لا تعني ثبوت الجريمة قضائياً، كما أن تداول الاتهامات لا يعوض التحقيق ولا يقوم مقام الأحكام القضائية.

لكن السؤال الذي يطرحه المقال يتجاوز الوضع القانوني للأشخاص المعنيين: ما الذي يجعل بعض الأسماء، رغم ما يحيط بها من جدل وشبهات متداولة، قادرة على العودة إلى مواقع المسؤولية المحلية؟

هنا ينتقل النقاش من مسؤولية الفرد إلى مسؤولية المنظومة الحزبية والمؤسساتية التي تمنح التزكيات وتدبر التحالفات وتختار ممثليها في أجهزة القرار.

فالأحزاب ليست مجرد قنوات للوصول إلى المؤسسات، وإنما تتحمل مسؤولية سياسية وأخلاقية في اختيار من يمثلونها. كما أن المسؤولية لا تنتهي عند لحظة التصويت؛ إذ تظل مرتبطة بمراقبة الأداء، واحترام قواعد النزاهة، وتقديم الحساب أمام المواطنين.

والأخطر في هذه المعادلة أن استمرار الجدل حول ثروات بعض المنتخبين، دون توضيحات مؤسساتية مقنعة عندما تكون هناك معطيات جدية تستوجب التحقق، قد يوسع المسافة بين المواطن والمؤسسات المنتخبة، ويغذي الاعتقاد بأن السياسة أصبحت لدى البعض وسيلة للنفوذ وتراكم الامتيازات، بدل أن تكون مجالاً لخدمة الصالح العام.

«من أين لك هذا؟».. السؤال الذي يختبر فعالية الرقابة على الثروة

من أكثر المقاطع دلالة في مقال مصطفى الفن انتقاله من الحديث عن الأسماء السياسية إلى البحث في ما يسميه «المليون الأول» لبعض أصحاب الثروات الكبيرة.

فهو يقدم مثالاً لمسؤول جماعي سابق يقول إنه انتقل من وضعية موظف بسيط إلى امتلاك ثروة عقارية ضخمة، ويتحدث عن 11 هكتاراً من الأراضي بضواحي النواصر، يقدر بعض خبراء العقار، وفق ما أورده المقال، قيمتها بنحو 11 مليار سنتيم، فضلاً عن عقارات وفيلات أخرى.

كما يربط الصحفي هذه الثروة، في روايته، بمرحلة سابقة من تدبير الشأن الجماعي، وبما يصفه باستغلال فرص التعمير والميزانيات المحلية والتساهل مع مخالفات عقارية مقابل إكراميات مزعومة.

هذه معطيات واتهامات منسوبة إلى مصطفى الفن، وتظل في حاجة إلى التحقق المستقل والوثائق الرسمية، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها أحكاماً قضائية أو حقائق محسومة. لكن السؤال الذي يستخرج من هذه الرواية يحمل أهمية مؤسساتية كبيرة: كيف يمكن تتبع المسار المالي والعقاري لمسؤول عمومي، خصوصاً عندما تظهر فجوة تستدعي التفسير بين الدخل المعروف والممتلكات المنسوبة إليه؟

إن سؤال «من أين لك هذا؟» ليس مجرد عبارة صحافية ذات وقع قوي، وإنما هو مدخل إلى منظومة كاملة من أدوات الرقابة على الثروة، والتصريح بالممتلكات، ومراقبة تضارب المصالح، والتحقق من مصادر الأموال، وتتبع الصفقات والقرارات التي قد تكون أسهمت في تكوين الثروة.

وفي مجال التعمير تحديداً، تتضاعف أهمية هذا السؤال؛ لأن القرار الجماعي لا يتعلق فقط برخصة بناء أو وثيقة إدارية. إنه قد يؤثر في قيمة العقار، وفي مستقبل الأحياء، وفي توزيع الثروة، وفي حقوق السكان، وفي تكاليف تجهيز المجال الحضري.

فحين تتحول صلاحيات التعمير إلى مجال محتمل للمحاباة أو تبادل المنافع، تصبح الخسارة أكبر من مجرد مخالفة إدارية. إنها تمس العدالة المجالية، وتضرب مبدأ تكافؤ الفرص بين المستثمرين، وتخلق سوقاً غير متكافئة يستفيد فيها من يملك النفوذ أكثر ممن يحترم القانون.

التعمير.. عندما تتحول السلطة المحلية إلى مصدر محتمل للريع

يستحضر مصطفى الفن تجربة تدبير جماعة محلية قبل اعتماد نظام وحدة مدينة الدار البيضاء، ويتحدث عن استغلال فرص التعمير والميزانية الجماعية، وعن تساهل مزعوم مع بعض المنعشين العقاريين الذين شيدوا طوابق خارج الضوابط القانونية.

وتكمن أهمية هذه الإشارة في أنها تنقل النقاش من سؤال الثروة الشخصية إلى سؤال كيفية إنتاجها المحتمل داخل المجال العام.

فالثروة العقارية لا تنشأ دائماً من الاستثمار المشروع وحده؛ وقد تكون، في بعض الحالات التي تستوجب التحقيق، مرتبطة بقرارات إدارية أو بتغيير استعمالات الأراضي أو بتسهيل مساطر أو بالتغاضي عن مخالفات أو بتسخير النفوذ.

وهنا تبرز ضرورة التمييز بين الاستثمار العقاري المشروع وبين أي استغلال محتمل للسلطة أو للمعلومة أو للقرار الإداري لتحقيق مكاسب خاصة.

والدار البيضاء، بما تمثله من مركز اقتصادي وعمراني ومالي، لا يمكن أن تتحمل استمرار أي اختلال في حكامة التعمير. فالمدينة تحتاج إلى استثمارات، لكنها تحتاج بالقدر نفسه إلى قواعد شفافة تضمن أن تتحقق الأرباح في إطار القانون، وأن لا تتحول السلطة المحلية إلى وسيط لتوزيع الامتيازات.

إن التنمية الحضرية لا تقاس بعدد الأبراج والمجمعات السكنية والفيلات التي تظهر على أطراف المدينة، بل بمدى احترام التخطيط، وجودة البنيات التحتية، وتوازن المجال، وحماية المال العام، وضمان حقوق المواطنين.

ومن هذا المنظور، فإن ما يثيره مصطفى الفن يستدعي العودة إلى ملفات التعمير القديمة، لا بهدف إصدار أحكام مسبقة، وإنما لفحص القرارات والرخص والتصاميم والعمليات العقارية التي قد تكون لها صلة بشبهات الإثراء غير المشروع، إذا توفرت بشأنها معطيات جدية وقابلة للتحقق.

الشركة الجهوية متعددة الخدمات.. إصلاح المرافق يحتاج إلى إصلاح شروط الحكامة

يمنح المقال أهمية خاصة للشركة الجهوية متعددة الخدمات الدار البيضاء–سطات، إذ يميز مصطفى الفن بين ما ينقله عن نزاهة مديرها العام وكفاءة الأطر العاملة بها، وبين تحفظه على بعض الأسماء السياسية التي وصلت إلى قيادة مجموعة الجماعات الترابية المرتبطة بها.

وهذا التمييز مهم، لأنه يضع أمامنا مستويين مختلفين من المسؤولية: مسؤولية التدبير التنفيذي للشركة، ومسؤولية الإشراف والتمثيل والتوجيه داخل المجموعة الترابية.

فالشركة ليست مجرد مقاولة تقدم خدمات تقنية. إنها جزء من ورش إصلاح مؤسساتي يرمي إلى إعادة تنظيم تدبير توزيع الماء والكهرباء والتطهير السائل، وتطوير الاستثمار وتحسين جودة الخدمات وتقليص الفوارق المجالية.

وقد أُحدثت الشركة في إطار القانون رقم 83.21، وبدأت ممارسة مهامها في فاتح أكتوبر 2024، وفق المعطيات المنشورة حول انطلاقها. كما أن عقد تدبير المرفق يمتد ثلاثين سنة، وتبلغ تركيبة رأسمال الشركة 200 مليون درهم، بمساهمات موزعة بين الدولة ومجموعة الجماعات الترابية والجهة والمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب.

SNRT News+1

وتكتسب مجموعة الجماعات الترابية هنا دوراً محورياً باعتبارها صاحبة المرفق العمومي والطرف الذي يرتبط به عقد التدبير. ولذلك فإن تركيبة قيادتها ليست مسألة بروتوكولية أو مجرد توزيع للمقاعد السياسية، بل ترتبط بمراقبة مرفق حيوي وتوجيه اختياراته وتتبع تنفيذ التزاماته.

ومن ثم، فإن أي نقاش حول نزاهة من يتولون قيادة هذه المجموعة ينبغي أن يُقرأ في ضوء حجم المسؤولية الملقاة على عاتقهم، لا في ضوء مواقعهم الحزبية وحدها.

فكيف يمكن إقناع المواطنين بأن إصلاح تدبير الماء والكهرباء يسير في اتجاه حكامة أفضل، إذا ظل السؤال حول معايير اختيار المشرفين على هذا الإصلاح مطروحاً؟

وكيف يمكن مطالبة المواطن بأداء فواتيره واحترام التزاماته، بينما ينتظر من المؤسسات أن تقدم له نموذجاً واضحاً في الشفافية والمساءلة؟

إن نجاح الشركة لا يتوقف على كفاءة مديرها العام وأطرها التقنية والإدارية فقط، وإنما يحتاج أيضاً إلى بيئة سياسية ومؤسساتية موثوقة تحمي استقلالية التدبير، وتمنع تضارب المصالح، وتضمن أن تكون القرارات في خدمة المرفق والمواطن.

وزارة الداخلية.. من الإشراف الإداري إلى مسؤولية ضمان الحكامة

الرسالة الأكثر مباشرة في مقال مصطفى الفن تتجه إلى وزارة الداخلية، وإلى السلطات الترابية التي تعاقبت على تدبير شؤون الدار البيضاء ونواحيها.

فحين يتساءل الكاتب عن صمت الجهات المختصة والسلطات والولاة والعمال السابقين، فهو لا يكتفي بتوجيه اللوم إلى المنتخبين الذين يتحدث عنهم، بل يثير سؤالاً أكبر حول فعالية الرقابة الإدارية، ومدى قدرتها على رصد الاختلالات والتفاعل معها.

وهنا ينبغي التمييز بين المسؤوليات القانونية لكل جهة، حتى لا تختلط أدوار الإدارة الترابية بأدوار القضاء وأجهزة الرقابة المالية والهيئات المكلفة بمكافحة الفساد.

لكن وزارة الداخلية، بحكم اختصاصاتها في مواكبة الجماعات الترابية ومراقبة احترام القانون ومتابعة تدبير الشأن المحلي، معنية بأن تكون آليات التتبع واليقظة فعالة، وأن لا تتحول الرقابة إلى مجرد تدخل بعد وقوع الاختلالات.

إن الإشكال الذي يطرحه المقال لا يتعلق فقط بما إذا كانت السلطات قد علمت بهذه الشبهة أو تلك، بل بما إذا كانت المنظومة الإدارية تمتلك آليات كافية لتحويل المعطيات الجدية إلى مسارات تحقق مؤسساتية واضحة.

وهذا يستدعي أسئلة عملية: هل توجد متابعة دقيقة لتراخيص التعمير التي صدرت خلال المراحل السابقة؟ هل جرى افتحاص القرارات الجماعية التي ترتبط بها شبهات إهدار المال العام أو منح امتيازات غير مستحقة؟ وهل يتم التنسيق بين السلطات الترابية والمفتشيات المختصة والجهات القضائية عندما تظهر مؤشرات تستوجب البحث؟

إن قيمة الرقابة لا تظهر في عدد التقارير التي تنتجها الإدارة، وإنما في قدرتها على حماية المرفق العام، وتصحيح الاختلال، وإحالة الملفات التي تتوفر فيها مؤشرات قانونية على الجهات المختصة.

والأهم أن لا يتحول تداول المسؤوليات داخل الإدارة الترابية إلى بداية جديدة في كل مرة، دون تقييم موضوعي لما تحقق وما تعثر وما بقي دون معالجة.

التنمية الاقتصادية لا تنفصل عن نزاهة القرار السياسي

تتجاوز القضية، في عمقها، حدود الدار البيضاء والنواصر، لأنها تلامس إحدى المعضلات الأساسية التي تواجه التنمية في المغرب: كيف يمكن بناء اقتصاد تنافسي وجذب الاستثمارات وتعزيز الثقة في المؤسسات، إذا ظل المواطن والمستثمر يشعران بأن النفوذ قد يكون أحياناً أقوى من القانون؟

فالإثراء غير المشروع، متى ثبتت عناصره، لا يمثل فقط انحرافاً فردياً، بل قد يكون مؤشراً على اختلال في توزيع الفرص، واستغلال غير مشروع للموارد، وإضعاف لقواعد المنافسة الاقتصادية.

والمجتمع الذي يرى أن بعض الأشخاص يستطيعون الانتقال من مواقع إدارية أو سياسية محدودة الدخل إلى امتلاك ثروات ضخمة دون تفسير واضح، يصبح أكثر عرضة لفقدان الثقة في جدوى العمل والكفاءة والاستثمار المشروع.

وهذه مسألة لها انعكاسات اجتماعية وثقافية أيضاً. فالفساد، عندما يتحول إلى ظاهرة يعتقد المواطن أنها تمر دون مساءلة، لا يكتفي بإضعاف الثقة في المؤسسات، بل يساهم في تطبيع سلوكيات خطيرة، من بينها البحث عن النفوذ بدل الكفاءة، وعن العلاقات بدل الاستحقاق، وعن الامتيازات بدل احترام القواعد.

وهذا يتعارض مع مشروع بناء مجتمع يربط النجاح بالعمل والإنتاج والاستحقاق، ويمنح الشباب الثقة في أن مستقبلهم لا يتوقف على امتلاك شبكة علاقات سياسية أو إدارية.

ومن هنا تبرز أهمية الرسالة التي يحملها مقال مصطفى الفن: تخليق الحياة العامة ليس شعاراً أخلاقياً يرفع في المناسبات، بل شرط من شروط التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وعنصر أساسي في بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

أسئلة استراتيجية يضعها المقال أمام المؤسسات

إن تفكيك الأفكار التي طرحها مصطفى الفن يقود إلى مجموعة من الأسئلة التي تتجاوز الأشخاص والأسماء، وتتعلق بمستقبل الحكامة المحلية في المغرب:

1. هل ينبغي أن تقتصر معايير اختيار المسؤولين المنتخبين على التزكية الحزبية والنتائج الانتخابية، أم أن النزاهة والمصداقية يجب أن تكونا جزءاً أساسياً من التقييم السياسي؟

2. ما الآليات التي تضمن التحقق من مصادر الثروات التي تتجاوز بشكل لافت المداخيل المعروفة لبعض المسؤولين العموميين؟

3. هل يمكن إخضاع ملفات التعمير القديمة لعمليات افتحاص مستقلة عندما تظهر مؤشرات جدية على وجود اختلالات أو استغلال محتمل للنفوذ؟

4. ما مسؤولية الأحزاب السياسية في إعادة تقديم شخصيات مثيرة للجدل إلى مواقع القرار، وما حدود مسؤوليتها الأخلاقية عن اختياراتها؟

5. كيف يمكن لوزارة الداخلية والسلطات الترابية تطوير الرقابة الاستباقية على الجماعات، بدل الاكتفاء بمعالجة الاختلالات بعد تفاقمها؟

6. هل تتوفر مجموعة الجماعات الترابية الدار البيضاء–سطات للتوزيع على ضمانات مؤسساتية كافية لحماية استقلالية الشركة الجهوية متعددة الخدمات من تضارب المصالح والتجاذبات السياسية؟

7. كيف يمكن استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات المنتخبة إذا ظلت الملفات التي تثير أسئلة حول الثروة والنفوذ دون أجوبة مؤسساتية مقنعة؟

هذه الأسئلة ليست أحكاماً مسبقة، وإنما هي امتداد طبيعي للنقاش الذي فتحه الصحفي، وتستدعي أجوبة موثقة من الجهات المعنية.

الجدية.. حين يصبح الاختبار في الأفعال لا في الخطابات

يستحضر مصطفى الفن مفهوم «الجدية» الذي تحدث عنه الملك محمد السادس، ويضعه في مواجهة واقع سياسي محلي يرى أنه لا ينسجم، في بعض جوانبه، مع مقتضيات هذا المفهوم.

والاستحضار هنا يحمل دلالة سياسية مهمة؛ فالجدية في تدبير الشأن العام لا تعني فقط إنجاز المشاريع واحترام المواعيد، وإنما تشمل أيضاً اختيار المسؤولين، وحماية المال العام، وضمان النزاهة، والتعامل الصارم مع تضارب المصالح، وعدم التساهل مع أي شبهة تستوجب التحقق.

إن الدولة التي تستثمر في البنيات التحتية وتطلق برامج التنمية وتعيد تنظيم المرافق العمومية، تحتاج إلى مؤسسات محلية قادرة على حماية هذه الاستثمارات من كل أشكال الاستغلال غير المشروع.

ولا يمكن أن تكون الحكامة الجيدة مجرد منظومة تقنية لتحسين الخدمات، بينما تظل أسئلة النزاهة السياسية والإدارية خارج دائرة الاهتمام.

وفي حالة الدار البيضاء–سطات، فإن الرهان أكبر من تدبير مؤسسة أو توزيع المسؤوليات داخل مجموعة ترابية. إنه يتعلق بمصداقية نموذج جديد لتدبير مرفق حيوي، وبمدى قدرة هذا النموذج على تقديم إضافة ملموسة للمواطنين، سواء في جودة الماء والكهرباء أو في العدالة المجالية أو في كفاءة الاستثمار العمومي.

ولذلك فإن معالجة الأسئلة التي أثارها مصطفى الفن لا ينبغي أن تتحول إلى سجال حول الأشخاص وحدهم، بل إلى فرصة لمراجعة آليات الانتقاء والمراقبة والتقييم والمحاسبة.

الخلاصة: لا تنمية مستدامة دون مساءلة حقيقية

ما يميز مقال مصطفى الفن أنه لا يحصر النقاش في أسماء سياسية أو في نتائج انتخابية محلية، بل يربط بين الثروة والنفوذ والتعمير والسلطة والرقابة، وصولاً إلى سؤال جوهري حول قدرة المؤسسات على حماية المجال العام من الاستغلال.

وقد تكون بعض المعطيات التي أوردها المقال موضوع ردود أو توضيحات أو تحقيقات، وهو ما يفرض إتاحة حق الرد لكل من قد يكون معنياً بها، والاحتكام إلى الوثائق والبحث القضائي كلما اقتضى الأمر ذلك.

لكن هذا التحفظ لا يلغي مشروعية السؤال العام الذي يطرحه الكاتب: لماذا تظل بعض الملفات التي تثير تساؤلات حول مصادر الثروة والمسؤولية الجماعية بحاجة إلى أجوبة واضحة؟

فالمسؤولية السياسية لا تعني الإدانة المسبقة، كما أن قرينة البراءة لا ينبغي أن تتحول إلى مبرر لإغلاق باب التحقق من المعطيات الجدية.

وإذا كانت الدار البيضاء تريد أن تقدم نموذجاً متقدماً في التدبير الحضري والاقتصادي، فإنها تحتاج إلى أكثر من شركات جديدة ومجالس منتخبة وهياكل إدارية حديثة. إنها تحتاج إلى ثقافة مؤسساتية تجعل النزاهة معياراً لاختيار المسؤول، والشفافية قاعدة لتدبير المرفق، والمحاسبة آلية فعلية لحماية المال العام.

إن السؤال الذي وضعه مصطفى الفن في قلب النقاش، «من أين لك هذا؟»، يستحق أن يتحول من استفهام صحافي إلى مدخل مؤسساتي للتحقق والمساءلة. فالثقة في الدولة لا تُبنى بالصمت عن الأسئلة المحرجة، وإنما بالقدرة على الإجابة عنها بالقانون والوثائق والشفافية.