ليست إقالة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، مجرد خبر قانوني عابر، ولا هي شأن إداري يخص مؤسسة قضائية دولية. إنها واقعة تكشف، ربما أكثر من أي وقت مضى، حجم التناقض الذي يحيط بفكرة العدالة الدولية نفسها. فالمحكمة التي وُلدت لتكون فوق السياسة، تجد نفسها اليوم غارقة في قلب السياسة، بل ربما أصبحت إحدى ساحاتها الأكثر حساسية.
لماذا أُقيل المدعي العام؟.. وماذا تكشف هذه الإقالة عن مستقبل المحكمة، وعن طبيعة النظام الدولي الذي تعمل داخله؟
مؤسسة تبحث عن العدالة داخل عالم لا تحكمه العدالة
عندما أُنشئت المحكمة الجنائية الدولية، بدا وكأن المجتمع الدولي يحاول للمرة الأولى بناء مؤسسة لا تخضع لموازين القوة التقليدية، مؤسسة تستطيع أن تحاكم مرتكبي الجرائم الكبرى بصرف النظر عن مواقعهم السياسية.
لكن السنوات كشفت أن المحكمة لا تعمل في فراغ.
فهي تعتمد على تعاون الدول لتنفيذ أوامر التوقيف، وعلى التمويل السياسي للدول الأعضاء، وعلى بيئة دولية تسمح بعملها.
وهنا تبدأ المعضلة.
فالعدالة تحتاج إلى استقلال كامل، بينما الواقع الدولي يقوم على توازنات القوة.
القضية ليست شخصًا
من الخطأ اختزال الأزمة في شخص المدعي العام.
فأي مدعٍ عام يصل إلى هذا المنصب يدرك منذ اللحظة الأولى أنه سيدخل منطقة اشتباك بين القانون والسياسة.
كل قرار تحقيق، وكل مذكرة توقيف، وكل ملف جديد، يحمل بالضرورة انعكاسات سياسية تتجاوز النصوص القانونية.
ولهذا فإن إقالة المدعي العام، مهما كانت أسبابها القانونية أو الإدارية، ستُقرأ عالميًا باعتبارها حدثًا سياسيًا بامتياز.
المحكمة في مرمى القوى الكبرى
منذ تأسيسها، واجهت المحكمة انتقادات متناقضة.
البعض اتهمها بأنها تستهدف الدول الضعيفة وتتجنب القوى الكبرى.
والبعض الآخر رأى أنها أصبحت أكثر جرأة في الاقتراب من ملفات تمس مصالح دول نافذة.
وفي الحالتين، بقيت المحكمة تتحرك داخل مساحة ضيقة، لأن ميزان القوة العالمي لا يزال أقوى من أي مؤسسة قضائية دولية.
ولهذا، فإن كل أزمة تضرب المحكمة تعيد السؤال القديم: هل تستطيع العدالة الدولية أن تكون مستقلة داخل نظام دولي غير متكافئ؟
أزمة ثقة أكثر منها أزمة إدارة
قد تتمكن المحكمة من تعيين مدعٍ عام جديد خلال أشهر.
لكن المشكلة الحقيقية ليست في شاغل المنصب.
المشكلة أن الثقة في استقلال المؤسسة نفسها تعرضت لاختبار جديد.
فالخصوم سيعتبرون ما حدث دليلًا على هشاشة المحكمة.
أما المؤيدون فسيرون أن المؤسسة قادرة على محاسبة مسؤوليها مهما علت مناصبهم.
وبين الروايتين، ستظل صورة المحكمة مرتبطة بقدرتها على استعادة ثقة الرأي العام الدولي.
الحرب والسياسة والقضاء
تأتي هذه التطورات في وقت يشهد العالم أكبر عدد من النزاعات المسلحة منذ نهاية الحرب الباردة: أوكرانيا، غزة، السودان، الكونغو، وميانمار.
كلها ملفات تجعل المحكمة تحت ضغط غير مسبوق.
وفي مثل هذه الظروف، يصبح منصب المدعي العام أحد أكثر المناصب حساسية في العالم، لأنه يقف عند تقاطع القانون مع الحسابات الجيوسياسية.
ماذا بعد؟
السيناريو الأول أن تنجح المحكمة في احتواء الأزمة سريعًا، وتعيين قيادة جديدة تعيد التركيز على الملفات القضائية.
السيناريو الثاني أن تستمر الأزمة، بما يضعف قدرتها على فتح تحقيقات جديدة، ويزيد الضغوط السياسية عليها.
أما السيناريو الثالث، وهو الأكثر خطورة، فيتمثل في أن تتحول الأزمة إلى محطة جديدة في مسار تراجع الثقة بالمؤسسات الدولية عمومًا، في وقت يشهد فيه النظام العالمي أصلًا أزمة متزايدة في شرعية مؤسساته.
المُفارقة الكبرى
تكشف إقالة المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية حقيقة ربما تجاهلها العالم طويلًا: المحاكم الدولية لا تعمل خارج السياسة، بل تعمل داخل أكثر مناطق السياسة تعقيدًا.
ولهذا، فإن مستقبل المحكمة لن يتحدد فقط بقدرتها على تطبيق القانون، وإنما أيضًا بقدرتها على مقاومة الضغوط السياسية، وإقناع العالم بأن العدالة يمكن أن تبقى مستقلة، حتى في زمن أصبحت فيه القوة هي اللغة الأكثر حضورًا في العلاقات الدولية.
وفي النهاية، تبقى المفارقة الكبرى أن المحكمة التي أُنشئت لتحاكم الدول والأفراد على انتهاك القانون الدولي، تجد نفسها اليوم مطالبة أولًا بالدفاع عن استقلالها، قبل أن تدافع عن العدالة التي قامت من أجلها.


