في أسواق المغرب: السمك ثروة بحرية لا يذوقه المواطن

0
184

في بلد يطل على واجهتين بحريتين بطول يفوق 3200 كيلومتر، يبدو أن وفرة البحر لا تعني بالضرورة وفرة في الاستهلاك. في المغرب، يشهد السوق المحلي تضخمًا في أسعار السمك – الذي يعتبر في غير عديد من الثقافات غذاءً يوميًا – بحيث أصبحت أطنان المصطادات البحرية لا تجد طريقها إلى أطباق الأسر المغربية بسعر عادل، في حين عبرت وفورات الإنتاج الحدود إلى أسواق أوروبا بأجور أقل بكثير. هذا التناقض لم يعد مجرد رقم، بل أصبح قضية اجتماعية تتفاعل في الفضاء العام وبين القرارات السياسية والاقتصادية.

أسعار تتصاعد… واقع يفوق التوقعات

في مختلف المدن المغربية، وصلت أسعار أنواع السمك الأساسية مثل السردين إلى مستويات غير مسبوقة في السنوات الأخيرة، بتجاوزها في بعض الأسواق 30–40 درهمًا للكيلوغرام، في حين كان يُنظر إلى هذا النوع في الماضي كبديل غذائي متاح للجميع.
وليس فقط السردين، بل إن أسعار أنواع أخرى مثل الكروفيت والكلامار والأنواع المعلبة شهدت ارتفاعات لافتة، ما أثار حفيظة المواطنين الذين يرون أن ارتفاع التكلفة يشبه في طبيعته ما يحدث في سلع أخرى، غير أن المفارقة هنا أنها تحدث في أحد أهم مصادر الغذاء البحري المتاح محليًا.

بين العرض المحدود والمضاربات السوقية

برغم وفرة الثروة السمكية، يعزو مهنيون ومتابعون في الأسواق ارتفاع الأسعار إلى عدة عوامل متداخلة. بعض المصادر ربطت المشكلة بقلة العرض في السوق المحلي، نتيجة ضعف الإنتاجية وارتفاع الطلب، ما جعل الأسعار تحافظ على مستوياتها، رغم أن بعض الأصناف كانت تُباع في الماضي بأسعار أقل بكثير.

لكن العامل الأكثر تداولًا بين المواطنين والنقاشات الشعبية هو دور الوسطاء، الذين يشترون بمنتجات بأسعار منخفضة ثم يعيدون بيعها عبر حلقات متعددة بسعر مرتفع، ما يزيد الفارق بين سعر السوق الجملة وسعر البيع النهائي للمستهلك. هذه الممارسات لم تخلُ من نقد شعبي واسع، إذ اعتبر بعض التجار الذين اتجهوا للبيع بأسعار منخفضة أن “المضاربات غير الخاضعة للرقابة” هي من تجعل السمك بعيد المنال عن عامة الناس.

تدخلات الحكومة… بين المبادرات والتساؤلات

ردًا على الغضب الشعبي، أطلقت الحكومة مبادرات للتخفيف من العبء على الأسر، من أبرزها برنامج “السمك بأسعار معقولة” الذي باع آلاف الأطنان من السمك المجمد بأسعار تنافسية في أكثر من 40 مدينة، سعيًا لضمان توافر منتجات بحرية بأسعار مناسبة خلال فترات الذروة مثل شهر رمضان.

هذه المبادرة لقيت إقبالاً واسعًا، لكنها أيضًا أثارت تساؤلات حول ما إذا كانت خطوة مؤقتة تعالج الأعراض دون المعالجة الجذرية للمشكلة، خاصة أن المبادرة تعتمد على توزيع كميات كبيرة من المصطادات بأسعار مخفضة دون تغيير الهيكل التنظيمي لسلسلة التوزيع نفسها.

مشهد سياسي واجتماعي متفاعل

رأى المراقبون أن ارتفاع الأسعار في السوق أثار نقاشًا داخل البرلمان المغربي، حيث تم طرح مطالب بتشكيل مهمة استطلاعية لمناقشة أسباب هذا التضخم، رغم وفرة الثروة السمكية في البلاد. وكانت الدعوات تؤكد ضرورة فهم العوامل الحقيقية وراء ارتفاع أسعار السمك وكيفية ضمان توازن بين الإنتاج والاستهلاك المحلي.

في المقابل، يثير بعض المواطنين نقاشات في وسائل التواصل ومنصات التجمعات حول أسئلة أعمق: هل المشكلة في قلة الإنتاج؟ أم في ضعف تنظيم سوق التصريف والرقابة؟ أم في هيمنة حلقات توزيع تستفيد أكثر من المنتجين والمستهلكين؟

قراءة تعكس الواقع المعاش

ما يسجله الواقع أن الأزمة ليست محصورة في أرقام الأسعار فقط، بل تمتد إلى زوايا أعمق تتعلق بآليات التسويق والتوزيع، والهيكل الإنتاجي، وعلاقة الدولة بالسوق. المواطن يرى ثروة في البحر لكنه لا يجد ثمنها في الأسواق. التجار يعزون السبب إلى ضعف الرقابة والتنظيم. البعض يشير إلى التغيرات المناخية وتأثيرها في هجرة الأسماك، بينما يربط آخرون ارتفاع تكاليف النقل والخدمات بسلسلة ارتفاع الأسعار.

في خضم هذا النقاش، يظل التساؤل الأكبر: كيف يمكن لبلد يمتلك ثروة سمكية هائلة ألا يجد طريقة لتسهيل وصول هذه الثروة إلى موائد مواطنيه بأسعار عادلة؟ هل تتم معالجة السبب الحقيقي للأزمة أم يتم التعامل مع أعراضها عبر مبادرات مؤقتة؟ وما هي السياسات الاقتصادية والتسويقية التي قد تضمن سوقًا عادلة ومنظمة؟