فيخو يضع الرباط في أول الطريق إلى مونكلوا: المغرب كشريك استراتيجي وسلاح في المعركة ضد سانشيز

0
53

حين يقول ألبرتو نونيز فيخو، زعيم الحزب الشعبي الإسباني، إن المغرب سيكون أول بلد يزوره إذا وصل إلى رئاسة الحكومة، فهو لا يعلن فقط عن وجهة سفر محتملة، بل يحدد منذ الآن موقع الرباط في تصور حكومته للعلاقات الخارجية. وفي اللحظة نفسها التي يعلن فيها أن أول رحلة له ستكون إلى المغرب، يوجه إلى بيدرو سانشيز واحدة من أكثر العبارات قسوة في السجال السياسي الإسباني، متهماً إياه بأنه «يتصرف كتابع للمغرب أكثر من كونه رئيساً لحكومة إسبانيا». هذان الموقفان لا يتناقضان كما قد يبدو للوهلة الأولى؛ فجوهر رسالة فيخو هو أن المشكلة، في نظره، ليست في قوة العلاقة مع المغرب، وإنما في الطريقة التي يدير بها سانشيز هذه العلاقة.

استعادة فيخو لفكرة أن المغرب ينبغي أن يكون المحطة الأولى لرئيس الحكومة الإسبانية تحمل أيضاً بعداً تاريخياً وسياسياً. فقد كانت زيارة المغرب في بداية الولاية تقليداً غير مكتوب لدى عدد من رؤساء الحكومات الإسبانية، من فيليبي غونثاليث إلى خوسيه ماريا أثنار وخوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو وماريانو راخوي، قبل أن يتجه سانشيز إلى باريس في يونيو 2018 في أول لقاء ثنائي له مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون. وبعد ذلك، في نوفمبر من السنة نفسها، قام سانشيز بأول زيارة رسمية له إلى الرباط، حيث وصف العلاقات بين البلدين بأنها شراكة استراتيجية تقوم على تحديات مشتركة. لذلك فإن فيخو لا يستعيد مجرد بروتوكول دبلوماسي، بل يستعمل رمزاً سياسياً يقول من خلاله إن حكومة الحزب الشعبي، إذا وصلت إلى السلطة، ستعيد ترتيب أولوياتها منذ اللحظة الأولى.

لكن القيمة السياسية للعبارة لا توجد في اختيار الرباط وحده، وإنما في الطريقة التي وضع بها فيخو هذا الاختيار في مواجهة سانشيز. فهو يريد أن يقول للناخب الإسباني إن بإمكان مدريد أن تحافظ على علاقة وثيقة مع المغرب من دون أن تتنازل، بحسب تصوره، عن موقعها التفاوضي. ولهذا جمع في جملة واحدة بين «علاقة سلسة ومحترمة» وبين المطالبة بأن تحترم الرباط إسبانيا، واضعاً الاحترام المتبادل بوصفه القاعدة التي يريد أن يبني عليها سياسته. هنا ينتقل الخطاب من سؤال: هل ينبغي لإسبانيا أن تكون قريبة من المغرب؟ إلى سؤال أكثر حساسية: من يملك اليد العليا داخل هذه العلاقة؟ وهذه هي المساحة التي يحاول فيخو أن يحتلها سياسياً.

العبارة المتعلقة بسانشيز بوصفه «تابعاً للمغرب» ليست إذاً مجرد انتقاد دبلوماسي، بل أداة لإعادة تعريف الخلاف داخل إسبانيا. فيخو لا يستطيع أن يبني خطاباً انتخابياً واقعياً على فكرة القطيعة مع الرباط، لأن المصالح الإسبانية نفسها تجعل المغرب شريكاً لا يمكن تجاوزه في ملفات الأمن والهجرة والتجارة والطاقة والتعاون الإقليمي. لذلك اختار صيغة أكثر قابلية للاستهلاك السياسي: المغرب مهم، لكن سانشيز، في رأيه، أدار هذه الأهمية بطريقة أضعفت إسبانيا. وبهذا يحول العلاقة الثنائية من ملف خارجي إلى قضية داخلية مرتبطة بصورة الحكومة وقدرتها على الدفاع عن المصالح الوطنية.

وتكتسب هذه الرسالة وزناً أكبر لأن فيخو أطلقها في أعقاب أزمة الهجرة في سبتة، التي جعلت الحدود الجنوبية لإسبانيا مرة أخرى في قلب النقاش السياسي. فقد شهدت المدينة خلال أواخر يوليو ضغطاً مهاجراً واسعاً، وأعلنت سلطات سبتة طلبها من الحكومة المركزية اتخاذ إجراءات بشأن الحدود، بينما تحدثت تقارير ميدانية عن اكتظاظ مركز الإقامة المؤقتة للمهاجرين وتراكم مئات الأشخاص أمامه. كما وصف الوضع في المدينة بأنه بلغ مستويات شديدة الضغط، في وقت تحولت فيه الهجرة إلى واحدة من أكثر القضايا حساسية في المواجهة بين الحكومة والمعارضة.

من هنا يصبح استدعاء فيخو لسبتة أكثر من مجرد تضامن مع رئيس حكومتها المحلية خوان فيفاس، الذي يقول إنه يتحدث معه يومياً. فسبتة تمنحه نقطة التقاء نادرة بين ثلاثة مستويات من السياسة الإسبانية: الأمن، والهجرة، والعلاقة مع المغرب. وهذه المستويات الثلاثة تسمح للمعارضة بأن تضع الحكومة أمام سؤال يصعب عليها تفاديه: إذا كانت العلاقة مع الرباط استراتيجية فعلاً، فهل تستطيع مدريد في الوقت نفسه أن تثبت أن هذه الشراكة لا تمنح الطرف الآخر قدرة على التأثير في أمن الحدود الإسبانية؟ فيخو لا يقدم في تصريحاته جواباً تقنياً عن هذا السؤال، لكنه يستخدمه لإضعاف صورة سانشيز باعتباره الرجل القادر على إدارة العلاقة مع الجار الجنوبي.

واللافت أن فيخو لا يذهب إلى النهاية التي قد يوحي بها هجومه. فهو لا يدعو إلى قطع العلاقات مع المغرب، ولا يطرح العودة إلى سياسة مواجهة مفتوحة، بل يقول العكس تقريباً: يريد علاقة جيدة، لكنه يريدها على أساس الثقة والاحترام، مع استعداد إسبانيا لأن تكون «حازمة» عندما يتعلق الأمر بمصالحها. وهذا التفصيل مهم لأنه يكشف أن خطابه لا يستهدف العلاقة المغربية الإسبانية في بنيتها الاستراتيجية، وإنما يستهدف ميزانها السياسي كما يراه هو. ولذلك فإن وصول الحزب الشعبي إلى السلطة، وفق هذا التصور، لن يعني بالضرورة انقلاباً على مسار التعاون مع الرباط، بل محاولة لإعادة صياغة شروطه ولغته وأدواته السياسية.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط دلالة في كلام فيخو: المغرب يظهر في خطابه باعتباره بلداً لا تستطيع إسبانيا تجاهله، وفي الوقت نفسه بلداً يريد أن يقنع الناخب بأنه قادر على التعامل معه من موقع أكثر صلابة. هذه المعادلة تكشف مقدار التحول الذي طرأ على موقع المغرب داخل الحسابات السياسية الإسبانية. فالمغرب لم يعد في هذا الخطاب مجرد جار جنوبي أو ملف مرتبط بالهجرة والصحراء والأمن، بل أصبح جزءاً من اختبار قدرة أي حكومة إسبانية على حماية المصالح الوطنية من دون التضحية بالشراكات التي تحتاج إليها.

أما سانشيز، فقد أصبحت علاقته بالرباط نقطة قابلة للاستثمار من جانب المعارضة لأن حكومته نفسها بنت خلال السنوات الأخيرة خطاباً يقوم على اعتبار المغرب شريكاً استراتيجياً في مواجهة ملفات مشتركة. وفي أول زيارة رسمية له إلى الرباط في نوفمبر 2018، تحدث سانشيز عن البلدين باعتبارهما صديقين وجارين وشريكين استراتيجيين يتقاسمان تحديات مشتركة. وبعد سنوات، أصبحت العلاقة أكثر عمقاً في مجالات متعددة، وهو ما جعل أي توتر في ملف الهجرة أو الحدود قابلاً لأن يتحول سريعاً إلى نقاش حول الثمن السياسي لهذه الشراكة.

فيخو يحاول الآن قلب المعادلة. فهو يريد أن يحتفظ بالنتيجة التي لا يستطيع أي رئيس حكومة إسباني التخلي عنها، أي التعاون مع المغرب، لكنه يريد أن ينسب إلى نفسه أسلوباً مختلفاً في إدارة هذا التعاون. ومن هذه الزاوية، فإن قوله «سأذهب إلى المغرب أولاً» يحمل رسالة إلى الرباط بقدر ما يحمل رسالة إلى الداخل الإسباني. الرسالة إلى الرباط هي أن حكومة الحزب الشعبي لن تبدأ علاقتها من القطيعة، بل من التواصل المباشر. والرسالة إلى الناخب الإسباني هي أن التواصل المباشر لا يعني، في نظره، التبعية.

وهذا يفسر أيضاً حرصه على الجمع بين كلمتين تبدوان متعارضتين في السياسة الانتخابية: الاحترام والحزم. الاحترام ضروري لأن المغرب شريك لا تستطيع مدريد إدارة ملفاتها الجنوبية من دونه، والحزم ضروري لأن فيخو يحتاج إلى نزع الورقة التي يستخدمها اليمين الإسباني بصورة أكثر تشدداً، وهي القول إن أي مرونة تجاه الرباط تعني ضعفاً في الدفاع عن المصالح الإسبانية. وبذلك يحاول رئيس الحزب الشعبي أن يشغل المنطقة الوسطى بين خطاب التعاون الذي يمثله سانشيز وخطاب المواجهة الأكثر حدة الذي يمكن أن يدفع إليه اليمين القومي.

لكن الرهان الحقيقي قد يكون أكبر من سبتة نفسها. فمع اقتراب الانتخابات الإسبانية، تصبح العلاقة مع المغرب جزءاً من معركة أوسع حول تعريف مفهوم «المصلحة الوطنية». هل حماية المصلحة الإسبانية تعني الحفاظ على أكبر قدر ممكن من التعاون مع الرباط، أم رفع سقف الضغط عليها في ملفات الحدود والهجرة؟ وهل يمكن لإسبانيا أن تستخدم علاقتها مع المغرب كأداة لحماية أمنها من دون أن تظهر أمام ناخبيها وكأنها تعتمد على دولة أخرى في إدارة جزء من هذا الأمن؟ فيخو يحاول تقديم نفسه باعتباره صاحب الإجابة الثانية: تعاون واسع، لكن من موقع قوة.

المفارقة أن الأزمة التي يستثمرها فيخو انتخابياً قد تؤكد في الوقت نفسه مدى حاجة إسبانيا إلى المغرب. فكلما ارتفع الضغط على سبتة، ظهر أن الحدود الجنوبية ليست مسألة إسبانية داخلية خالصة، بل ملفاً يتقاطع فيه الأمن والهجرة والجغرافيا والسياسة الخارجية. ولذلك فإن أي حكومة في مدريد ستجد نفسها مضطرة إلى الحوار مع الرباط، حتى عندما تكون في أقصى درجات الخلاف معها. هذه الحقيقة هي التي تمنع خطاب فيخو من التحول إلى برنامج قطيعة، وتجبره بدلاً من ذلك على تقديم نفسه باعتباره الشخص القادر على إدارة الاعتماد المتبادل بطريقة مختلفة.

ومن هذه الزاوية، فإن أكثر ما يستحق التوقف عنده في تصريحات فيخو ليس وصفه لسانشيز بأنه «تابع للمغرب»، وإنما الجملة التي سبقت هذا الهجوم وتلك التي تلته. قبل الهجوم قال إن أول زيارة له ستكون إلى الرباط، وبعده أكد أنه يريد علاقة جيدة معها. أي أنه بنى خطابه كله على فصل «المغرب» عن «سانشيز»: المغرب شريك ضروري، أما سانشيز فهو، في رواية المعارضة، من أخطأ في إدارة الشراكة. وهذا الفصل هو ما يمنح الخطاب قوته الانتخابية، لأنه يسمح لفيخو بمهاجمة الحكومة من دون أن يقدم نفسه عدواً للمغرب.

الرباط، في المقابل، لا تحتاج إلى أن تتعامل مع كلام فيخو باعتباره إعلاناً عن سياسة خارجية جديدة قبل أوانها. الرجل يتحدث بصفته زعيم المعارضة ورئيس الحزب الذي يسعى إلى الوصول إلى مونكلوا، لا بصفته رئيساً للحكومة. لكن أهمية التصريح تكمن في أنه يكشف مبكراً عن اللغة التي يمكن أن تحكم العلاقة إذا وصل الحزب الشعبي إلى السلطة: المغرب سيكون في أول جدول الزيارات، لكنه سيكون أيضاً في أول جدول الحسابات السياسية. وهذا يعني أن القرب من الرباط قد يستمر، فيما قد تتغير الطريقة التي تستخدم بها مدريد هذا القرب داخل سياستها الداخلية.

لهذا فإن معركة فيخو مع سانشيز حول المغرب لا تبدو في جوهرها معركة بين من يريد المغرب ومن لا يريده، ولا بين الانفتاح والقطيعة. إنها معركة على تعريف العلاقة نفسها: هل هي شراكة استراتيجية تحتاج إلى قدر كبير من الثقة المتبادلة، أم علاقة مصالح يجب أن تبقى تحت ضغط دائم حتى لا تتحول الشراكة إلى اعتماد؟ فيخو اختار أن يضع نفسه في الخانة الثانية، لكنه أدرك في الوقت نفسه أن أول خطوة من مونكلوا إلى الرباط ستكون ضرورية إذا أراد أن يحكم إسبانيا من موقع ينسجم مع مصالحها الواقعية.

وهكذا تتحول عبارة «أول زيارة لي ستكون إلى المغرب» من وعد بروتوكولي إلى إعلان سياسي أكثر تعقيداً. فيخو يقول للناخب الإسباني إنه لن يهرب من الرباط، لكنه يقول له في الوقت ذاته إنه لن يذهب إليها من موقع الضعف الذي ينسبه إلى سانشيز. وبين العبارتين تتشكل معركة سياسية ستتجاوز سبتة والهجرة إلى سؤال أعمق: من يستطيع أن يدير العلاقة مع المغرب من دون أن يخسر، في الوقت نفسه، صورة الدولة القوية أمام الداخل الإسباني؟ هذا هو الاختبار الذي بدأ فيخو يضعه أمام سانشيز، وربما أمام نفسه أيضاً.