اذكروا موتاكم بخير.. با العلوي يرحل وتبقى سيرته بين الناس

0
110

رحل صباح اليوم بالرباط الداعية المغربي محمد العلوي، المعروف لدى المغاربة باسم «با العلوي»، بعد سنوات من المرض وتدهور صحي حاد في أيامه الأخيرة. ومع إعلان وفاته، عادت صور الرجل ومقاطعه ومواعظه إلى واجهة التداول، وخرج كثيرون لاستحضار عباراته وطريقته في الكلام، بينما غلب على التعليقات شعور واضح بالفقد والدعاء له بالرحمة.

في مثل هذه اللحظات، تبدو عبارة «اذكروا موتاكم بخير» أكثر من مجرد مجاملة تفرضها المناسبة. إنها تذكير بأن الموت يضع حداً للخصومة، وأن الإنسان حين يغادر الدنيا لا ينبغي أن يتحول موته إلى فرصة لاستعادة كل ما قيل فيه من ملاحظات وانتقادات. لكل شخص ما له وما عليه، لكن للميت أيضاً حرمة، وللحياة حساباتها التي لا ينبغي أن تستمر بالطريقة نفسها أمام نعش صاحبها.

وبا العلوي كان، قبل كل شيء، رجلاً عرفه الناس كما هو، بلهجته وطرقه الخاصة في الكلام، وبقدرته على تحويل الموعظة إلى حكاية قريبة من الجمهور. لم يبن حضوره على لغة أكاديمية معقدة، وإنما اختار مخاطبة الناس من المسافة التي يفهمون منها الكلام، ولذلك استطاع أن يصل إلى شرائح واسعة، خصوصاً عبر المقاطع المصورة التي انتشرت على نطاق كبير.

وقد تكون هذه هي أهم زاوية في تجربته: لم يكن جمهوره يبحث دائماً عن درس ديني بالمعنى التقليدي، بقدر ما كان يجد أمامه شخصاً يتحدث بلغته، يستعمل الفكاهة والحكاية والدارجة، ويجعل المسافة بين الواعظ والمتلقي أقصر. وهذا النوع من الخطاب قد يثير تحفظات لدى البعض، لكنه في الوقت نفسه يفسر لماذا بقي الرجل حاضراً في ذاكرة فئات واسعة من المغاربة.

الاختلاف حول أسلوبه لم يكن سراً. فمنذ سنوات، تناقلت الصحافة مقاطع له وأحاديث حول طريقته في الوعظ، وانقسمت الآراء بين من رأى في عفويته وسيلة ناجحة للوصول إلى الناس، ومن تحفظ على توظيف الفكاهة في الخطاب الديني. لكن الاختلاف حول الأسلوب لا يلغي الأثر الذي تركه لدى من كانوا يستمعون إليه، كما أن الشعبية لا تعني بالضرورة العصمة من النقد.

ولهذا فإن الوفاء للرجل لا يحتاج إلى اختراع صورة مثالية له بعد موته. يكفي أن نتركه في مكانه الحقيقي: داعية شعبي له أسلوبه، له جمهوره، وله اجتهاداته، وله أيضاً ما قد يختلف الناس حوله. فالإنصاف لا يعني أن نحول الميت إلى ملاك، كما أن احترام الموت لا يسمح بتحويل جنازته إلى محكمة.

واللافت أن المرض نفسه كان جزءاً من سنواته الأخيرة. فقد سبق أن عرف وعكات صحية، ثم تدهورت حالته أخيراً ونُقل إلى المستشفى العسكري بالرباط، قبل أن تشتد معاناته وتتراجع قدرته على الكلام بحسب ما نقلته مصادر صحافية عن محيطه. وفي الساعات التي سبقت إعلان وفاته، تحولت صفحات التواصل الاجتماعي إلى مساحة واسعة للدعاء له، وكأن الجمهور الذي اعتاد سماع صوته وجد نفسه هذه المرة عاجزاً عن فعل شيء سوى الدعاء.

وهنا ربما تكمن المفارقة الإنسانية الأجمل في رحيله: الرجل الذي أمضى سنوات يخاطب الناس، ويذكرهم بالموت والحياة والدين، وجد الناس في أيامه الأخيرة يتحدثون عنه بالدعاء نفسه الذي كان يحثهم عليه. لم تعد هناك نكتة أو قفشة أو عبارة لافتة؛ بقي الإنسان وحده، مريضاً، ثم غاب.




وبا العلوي ينتمي إلى جيل من الوعاظ الذين صنعوا حضورهم قبل أن تصبح المنصات الرقمية مؤسسة إعلامية قائمة بذاتها، ثم وجدوا فيها لاحقاً فضاءً جديداً للانتشار. لذلك فإن قصته لا تتعلق بشخص واحد فقط، وإنما تكشف أيضاً تحول العلاقة بين الواعظ والجمهور: من المسجد والحي والمناسبة الاجتماعية إلى الهاتف، ومن الموعظة التي يسمعها عشرات أو مئات إلى مقطع يمكن أن يصل إلى آلاف الناس في ساعات.

لكن في النهاية، لا ينبغي أن نحمّل رحيله أكثر مما يحتمل. اليوم ليس يوم إصدار الأحكام، ولا يوم إعادة فتح الملفات، ولا يوم البحث عن انتصار في جدل قديم. اليوم يوم تذكر الإنسان الذي عاش بين الناس، وخاطبهم بطريقته، وأدخل البسمة إلى مجالس كثيرة، وترك وراءه من يدعو له ويترحم عليه.

«اذكروا موتاكم بخير» ليست دعوة إلى تزوير الذاكرة، وإنما إلى تهذيبها. أن نتذكر الخير حين يحضر، وأن نترك ما اختلفنا حوله للزمن وأهله، وأن ندرك أن الإنسان أكبر من مقطع، وأوسع من عبارة، وأعقد من حكم سريع يصدر عنه وهو حي أو بعد موته.

رحم الله با العلوي، وغفر له، وجعل ما قدمه من خير ووعظ وبسمة في ميزان حسناته، وألهم أسرته ومحبيه الصبر. ويبقى أجمل ما يمكن أن يقال في يوم رحيله: اذكروا موتاكم بخير، فإن بين أيديهم رباً أرحم بهم منا جميعاً.