
مع اقتراب الموعد الذي ارتبط بمذكرة التفاهم الأمريكية ـ الإيرانية، غداً الاثنين 17 غشت (أغسطس/آب) 2026 الجاري، تبدو فرص تمديد وقف إطلاق النار أو تحويله إلى اتفاق أكثر استقراراً شديدة التعقيد، في ظل اتساع الفجوة بين روايتي واشنطن وطهران بشأن الالتزامات التي يفترض تنفيذها قبل الانتقال إلى مرحلة تفاوضية جديدة.
وتشير المعطيات المتاحة حتى الأحد اليوم الأحد 16 غشت (أغسطس/ آب) إلى أن الأزمة لم تعد تدور فقط حول سؤال هل تستمر الهدنة؟، وإنما حول سؤال أكثر تعقيداً: هل لا يزال الطرفان يتعاملان مع مذكرة يونيو (حزيران) باعتبارها إطاراً قابلاً للإنقاذ، أم أن الطرفين انتقلا عملياً إلى مرحلة إدارة صراع جديد تحت سقف التصعيد المؤجل؟
مأزق التفاوض.. المشكلة في تفسير الاتفاق قبل أن تكون في تمديده
كان اتفاق يونيو (حزيران) قد منح واشنطن وطهران إطاراً زمنياً يصل إلى 60 يوماً بهدف وقف العمليات العسكرية وفتح الطريق أمام مفاوضات تتناول ملفات أكثر تعقيداً، بينها البرنامج النووي الإيراني والعقوبات وحرية الملاحة في مضيق هرمز. كما ارتبط الاتفاق بإجراءات اقتصادية، بينها إعفاء أمريكي مؤقت سمح لإيران بمواصلة بعض أنشطة بيع النفط وتلقي المدفوعات حتى 21 غشت (أغسطس/ آب).
لكن المشكلة الأساسية ظهرت سريعاً في تفسير الالتزامات المتبادلة.
ففي 12 غشت (أغسطس/ آب)، نقلت رويترز عن مسؤول إيراني كبير أن طهران لا تجري محادثات بشأن تمديد وقف إطلاق النار، وأن واشنطن مطالبة أولاً بالعودة إلى الالتزامات الواردة في الاتفاق المؤقت ووضع جدول زمني لتنفيذ تعهداتها. كما أكدت مصادر إيرانية عدم إحراز تقدم في محاولة إحياء الاتفاق.
وتكشف هذه الرواية أن الخلاف لم يعد تقنياً أو إجرائياً؛ فإيران تريد، قبل أي تمديد، ضمانات بشأن رفع أو تخفيف العقوبات، والأصول المجمدة، والموانئ، والنفط، وحرية الملاحة، بينما تضغط واشنطن في الاتجاه المعاكس، مطالبة طهران بتقديم تنازلات بشأن هرمز والملف النووي وسلوكها الإقليمي.
وهنا تكمن العقدة: كل طرف يريد الحصول على ثمن سياسي وأمني قبل أن يقدم المقابل.
لماذا أصبح مضيق هرمز العقدة الأهم؟
لم يعد مضيق هرمز مجرد ملف ملاحي داخل المفاوضات، بل تحول إلى أداة ضغط استراتيجية في الصراع.
فإيران تقول إن استمرار السيطرة على المضيق مرتبط بأمنها القومي وبشروطها لإنهاء المواجهة، بينما تصر الولايات المتحدة على ضرورة عودة الملاحة الدولية. وأفادت رويترز في 14 غشت (أغسطس/ آب) الجاري بأن حركة السفن عبر المضيق تراجعت بشدة، في وقت شددت فيه واشنطن إجراءات الحصار والضغط الاقتصادي، بينما استخدمت طهران المضيق كورقة تفاوضية.
والأهمية هنا تتجاوز إيران والولايات المتحدة؛ إذ إن أي إغلاق طويل أو اضطراب واسع للمضيق يعني تهديداً مباشراً لتدفقات الطاقة العالمية، وهو ما يفسر حساسية أسواق النفط تجاه كل إشارة سياسية أو عسكرية صادرة من المنطقة.
وفي 12 غشت (أغسطس/ آب)، ارتفع خام برنت بشكل طفيف إلى نحو 88.98 دولاراً للبرميل، مع استمرار المخاوف من تعطل الإمدادات بسبب أزمة هرمز وباب المندب.
وبالتالي، فإن انهيار التهدئة لن يكون مجرد حدث عسكري؛ بل يمكن أن يتحول سريعاً إلى صدمة في سوق الطاقة والنقل والتأمين والشحن العالمي.
واشنطن تترك باب الدبلوماسية مفتوحاً.. لكنها لا تسحب أدوات القوة
المفارقة اللافتة أن واشنطن لا تبدو وكأنها اختارت بين الحرب والتفاوض بصورة نهائية.
فمن جهة، أبقت الإدارة الأمريكية على إمكانية التواصل عبر الوسطاء. ومن جهة أخرى، استمرت في الضغط العسكري والاقتصادي، بما في ذلك التحركات البحرية في المنطقة.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترمب قد أعلن في يوليوز (يوليو/ تموز) أن وقف إطلاق النار انتهى، لكنه وافق في الوقت نفسه على استمرار المحادثات بعد طلب طهران مواصلتها، ما خلق وضعاً غريباً: انتهاء الهدنة سياسياً، مع استمرار محاولة إبقاء قناة التفاوض مفتوحة.
وتشير هذه السياسة إلى أن واشنطن تحاول الاحتفاظ بأكبر قدر ممكن من الخيارات: إذا نجحت الضغوط في دفع إيران إلى تنازلات، يمكن العودة إلى التفاوض؛ وإذا فشلت، تبقى الخيارات العسكرية قائمة.
دخول «جورج بوش» إلى بحر العرب.. رسالة عسكرية أم استعداد فعلي؟
في الجانب العسكري، يضيف انتشار حاملة الطائرات الأمريكية يو إس إس دابليو بوش (USS George H.W. Bush) في بحر العرب عاملاً جديداً إلى حسابات الردع.
وتؤكد بيانات ومتابعات البحرية الأميركية أن الحاملة تعمل ضمن منطقة عمليات الأسطول الخامس، فيما أظهرت متابعة معهد البحرية الأميركية في يوليوز (يوليو/ تموز) وجود مجموعة حاملة الطائرات الضاربة العاشرة (Carrier Strike Group 10) بقيادة «جورج إتش دبليو بوش» في بحر العرب، إلى جانب مدمرات وسفن أخرى.
كما أكدت القيادة المركزية الأمريكية أن الحاملة تنفذ عمليات جوية في بحر العرب ضمن انتشارها لدعم الأمن والاستقرار البحري في الشرق الأوسط.
وهذا التحرك لا يعني تلقائياً أن واشنطن اتخذت قراراً بالعودة إلى الحرب. فحاملات الطائرات تُستخدم أيضاً في الردع، وحماية خطوط الملاحة، والدفاع الجوي، والاستطلاع، وإسناد القوات الموجودة في المنطقة.
لكن وجودها في الوقت الذي تتراجع فيه فرص التمديد يرفع قيمة الرسالة السياسية للتحرك: واشنطن تريد أن تقول لطهران إن فشل التفاوض لن يترك الولايات المتحدة بلا خيارات عسكرية.
والأهم أن انتشار القوة البحرية يسمح لواشنطن بالانتقال من التهديد السياسي إلى القدرة العملياتية في وقت قصير نسبياً إذا صدر قرار بالتصعيد.
من مذكرة وقف النار إلى «مشكلة الثقة»
أحد أخطر عناصر الأزمة الحالية هو أن الثقة بين الطرفين تبدو شبه معدومة.
فإيران تقول إن الولايات المتحدة لم تنفذ التزاماتها المتعلقة بتخفيف العقوبات وفتح المجال أمام أصولها المجمدة، بينما ترى واشنطن أن طهران لم تنفذ التزاماتها المتعلقة بالملاحة ومضيق هرمز.
وقد وثقت رويترز في يوليوز (يوليو/ تموز) كيف تحولت مذكرة التفاهم إلى اتفاق هش بسبب اختلاف تفسير البنود وعودة العمليات العسكرية، إضافة إلى الخلاف حول العقوبات والأصول الإيرانية والممرات البحرية.
كما أكدت الخارجية الإيرانية في يوليوز (يوليو/ تموز) أن طهران لا ترى إمكانية لتنفيذ التفاهم من جانب واحد، وأن الوسطاء، وبينهم باكستان وقطر، ينقلون الرسائل بين الطرفين بدلاً من وجود مفاوضات مباشرة مستقرة.
وهذا يعني أن أي تمديد جديد يحتاج إلى أكثر من إعلان سياسي؛ إذ يحتاج إلى آلية تحقق ومراقبة وتنفيذ تمنع تكرار الانهيار السابق.
لماذا يصعب الوصول إلى اتفاق قبل 17 غشت (أغسطس/ آب)؟
هناك أربعة ملفات تبدو الأكثر تعقيداً:
1. العقوبات والأموال الإيرانية
تريد طهران مقابلاً اقتصادياً واضحاً لأي تنازل أمني أو نووي. وقد كان الإعفاء النفطي الأمريكي المؤقت أحد أهم الحوافز الاقتصادية التي ارتبطت بمذكرة يونيو (حزيران).
2. مضيق هرمز
واشنطن تريد عودة الملاحة، بينما تعتبر إيران المضيق ورقة استراتيجية لا يمكن التخلي عنها مجاناً.
3. البرنامج النووي
مذكرة يونيو (حزيران) لم تحسم الملفات النووية الأكثر حساسية، وإنما فتحت الباب أمام مفاوضات لاحقة. وقد أظهرت التصريحات المتبادلة أن طهران وواشنطن لا تزالان مختلفتين حتى بشأن حدود ما تم الاتفاق عليه أصلاً.
4. الضمانات
تريد إيران ضمانات بأن التفاهم الجديد لن يتحول إلى هدنة مؤقتة تسمح لواشنطن بإعادة فرض الضغوط أو استئناف العمليات العسكرية بعد فترة قصيرة.
وفي المقابل، يصعب على الإدارة الأمريكية تقديم ضمانات واسعة إذا كانت تريد الاحتفاظ بحرية الحركة العسكرية.
هل نحن أمام عودة وشيكة للحرب؟
تقدير موقف
الاحتمال الأقرب خلال الأيام المقبلة ليس بالضرورة اندلاع حرب شاملة فور انتهاء المهلة، وإنما استمرار حالة «اللا حرب واللا سلام» مع ارتفاع مستوى المخاطر.
لكن احتمال العودة إلى العمليات العسكرية أصبح مرتفعاً بصورة ملحوظة إذا فشلت الاتصالات في إنتاج صيغة مؤقتة تحفظ ماء وجه الطرفين.
ويمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
السيناريو الأول – تمديد مؤقت:
يتم الاتفاق في اللحظات الأخيرة على تمديد تقني للتهدئة، ربما عبر وسطاء مثل باكستان وقطر، مع تأجيل الملفات الأصعب. وهذا هو السيناريو الأقل تكلفة لجميع الأطراف، لكنه يحتاج إلى تنازل إيراني وأميركي متزامن.
السيناريو الثاني – هدنة بلا اتفاق سياسي:
وهو سيناريو أكثر ترجيحاً من الحرب الشاملة المباشرة؛ إذ تستمر حالة التهدئة الميدانية جزئياً، لكن من دون اتفاق شامل، مع استمرار الحرب الاقتصادية والحصار والضغط البحري.
السيناريو الثالث – انهيار التهدئة والعودة إلى الضربات:
إذا فشلت الوساطة، واستمرت أزمة هرمز، وحدثت مواجهة بحرية كبيرة أو هجوم يسقط ضحايا أمريكيين، فقد يصبح الضغط الداخلي في واشنطن كبيراً للرد عسكرياً. وفي المقابل، قد تعتبر طهران أي ضربة أمريكية جديدة سبباً لاستعادة عملياتها ضد القوات والمصالح الأميركية في المنطقة.
بالتالي فإن التقديرات تشير إلى أن خطر عودة الحرب خلال الأسابيع التالية لانتهاء المهلة أعلى من احتمال اندلاعها تلقائياً صباح 17 غشت (أغسطس/ آب). فالجميع يدرك كلفة الجولة الجديدة، لكن المشكلة أن آليات منع التصعيد ضعيفة، بينما الأدوات العسكرية موجودة ومتحركة.
العامل الأخطر: حادث واحد قد ينسف الحسابات
ربما لا يكون القرار السياسي وحده هو العامل الحاسم.
فوجود القوات الأمريكية في المنطقة، واستمرار أزمة هرمز، والهجمات على السفن، والضغوط الاقتصادية، كلها تجعل هامش الخطأ ضيقاً للغاية.
وهذا ما يجعل حادثاً واحداً ــ استهداف سفينة، سقوط قتلى أمريكيين، ضربة إيرانية على منشأة أمريكية، أو حادث ملاحي كبير ــ قادراً على نقل الأزمة من مرحلة التفاوض المتعثر إلى مرحلة الرد العسكري المتبادل.
وقد أشارت رويترز بالفعل إلى تصاعد المخاطر المرتبطة بالملاحة في هرمز، بما في ذلك هجمات على سفن وتراجع حركة العبور بصورة كبيرة.
17 غشت (أغسطس/ آب) ليس نهاية الهدنة فقط
الموعد المرتبط بـ17 غشت (أغسطس/ آب) يبدو في جوهره اختباراً للاتفاق نفسه أكثر من كونه مجرد تاريخ لانتهاء وثيقة.
فإذا تمكنت واشنطن وطهران من الاتفاق على صيغة تحفظ الحد الأدنى من مصالح الطرفين، فقد يتحول الموعد إلى نقطة انطلاق لجولة تفاوض جديدة.
أما إذا بقيت طهران متمسكة بأن واشنطن يجب أن تنفذ التزاماتها أولاً، واستمرت واشنطن في الضغط على هرمز وفي تعزيز وجودها العسكري، فإن المنطقة ستدخل مرحلة شديدة الخطورة، عنوانها الردع المتبادل تحت سقف هدنة متداعية.
وفي هذه الحالة، لن تكون المسألة: هل ستعود الحرب؟ فقط، بل متى وأين ستبدأ الجولة التالية، وما إذا كانت ستبقى محصورة بين واشنطن وطهران أم تمتد إلى الخليج والعراق والبحر الأحمر ولبنان وأسواق الطاقة العالمية.
واللافت أن استمرار وجود حاملة «جورج إتش دبليو بوش» وقوات بحرية أمريكية أخرى في المنطقة لا يقدم دليلاً قاطعاً على قرار بالحرب، لكنه يجعل واشنطن أكثر قدرة على تنفيذ خيار عسكري إذا انهارت الدبلوماسية. وفي المقابل، فإن استمرار إغلاق أو تقييد الملاحة في هرمز يمنح إيران ورقة ضغط خطيرة، لكنه يزيد أيضاً من احتمال أن تتحول هذه الورقة إلى سبب مباشر لمواجهة جديدة.
وبالتالي، فإن الساعات والأيام التي تلي 17 غشت (أغسطس/ آب) ستكون أهم من التاريخ نفسه؛ لأنها ستكشف ما إذا كان الطرفان يريدان فعلاً إنقاذ مسار التفاوض، أم أنهما يستخدمان التفاوض فقط لشراء الوقت والاستعداد لجولة جديدة من الحرب.

