مباحثات العلمين تكشف حجم التحول في العلاقات المصرية – التركية وسط محيط إقليمي شديد الاضطراب

0
40
مصر وتركيا تعززان التنسيق الإقليمي بشأن غزة وليبيا والسودان والصومال، وسط تحولات متسارعة تعيد رسم موازين الأمن والاستقرار في الشرق الأوسط.
وزير الخارجية المصري الدكتور بدر عبد العاطى (يمين) ونظيره التركي هاكان فيدان (يسار) خلال المؤتمر الصحفي بمدينة العلمين يوم الخميس 13 غشت (أغسطس/ آب) 2026 - مصدر الصورة: القاهرة الإخبارية

القاهرة – في مدينة العلمين عند ساحل مصر الشمالي، لم تكن المباحثات المصرية – التركية مجرد جولة جديدة من اجتماعات الدبلوماسية الثنائية، بل حملت في مضمونها إشارات إلى تحول أوسع في طبيعة الدور الذي تسعى القاهرة وأنقرة إلى الاضطلاع به في محيط إقليمي شديد الاضطراب.

فبين غزة وسوريا وليبيا والسودان والصومال، بدت أجندة اللقاء بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره التركي هاكان فيدان، اليوم الخميس 13 غشت (أغسطس/ آب) 2026، وكأنها ترسم خريطة مشتركة للأزمات التي يرى البلدان أن استمرارها يهدد الأمن الإقليمي ويتطلب قدرًا أكبر من التنسيق بين القوى الإقليمية الرئيسية.

وتكتسب هذه المحادثات أهميتها من أن مصر وتركيا أظهرتا خلال السنوات الأخيرة تقاربًا متزايدًا بينهما في قضايا أساسية، خصوصًا رفض تهجير الفلسطينيين، والحفاظ على وحدة الدول العربية، ودعم الحلول السياسية، ورفض تفكك مؤسسات الدول التي تعاني الحروب.

وقد أكدت القاهرة وأنقرة في الإعلان المشترك للاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي رفيع المستوى، الذي عقد في فبراير (شباط) 2026، التزامهما بدعم وحدة ليبيا وسيادتها، والدفع نحو تسوية سياسية في السودان، والحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، إلى جانب تنسيق المواقف بشأن غزة.

غزة.. نقطة الالتقاء الأهم بين القاهرة وأنقرة

تتصدر القضية الفلسطينية مساحة واسعة من التفاهم المصري – التركي، وربما تمثل أكثر الملفات التي تتقاطع فيها رؤية البلدين في المرحلة الراهنة.

وأكد بدر عبد العاطي أن مصر ترفض بصورة كاملة الانتهاكات الإسرائيلية بحق الفلسطينيين، وترفض أي مخططات لتهجير سكان قطاع غزة، مشددًا على ضرورة تنفيذ الاستحقاقات المتعلقة بخطة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بشأن القطاع، ومؤكدًا أن الحلول العسكرية لا يمكن أن توفر الأمن والاستقرار الدائمين للمنطقة.

أما هاكان فيدان، فأكد أن تركيا تعمل بصورة وثيقة مع مصر بشأن غزة، وشدد على رفض بلاده أي محاولات لتهجير الفلسطينيين، داعيًا واشنطن إلى ممارسة الضغط على إسرائيل للالتزام بمسار السلام وتطبيق المرحلة الثانية من الخطة.

ولا يبدو هذا التوافق جديدًا؛ فقد أكد البلدان في إعلانهما المشترك الصادر في فبراير (شباط) ضرورة الحفاظ على وحدة الأراضي الفلسطينية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية إلى غزة، وفتح معبر رفح في الاتجاهين، والبدء في إعادة إعمار القطاع، فضلًا عن التأكيد على إقامة دولة فلسطينية على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967 وعاصمتها القدس الشرقية.

وهنا تبرز نقطة مهمة: القاهرة وأنقرة لا تكتفيان برفض التهجير، بل تحاولان التأثير في شكل اليوم التالي للحرب. فمصر تمتلك بحكم الجغرافيا والخبرة الأمنية والحدود مع غزة موقعًا لا يمكن تجاوزه، بينما تمتلك تركيا أدوات سياسية وعلاقات مع أطراف فلسطينية وإقليمية تمنحها قدرة على التحرك في ملفات ما بعد الحرب.

ومن ثم فإن التنسيق بينهما يمكن أن يتحول إلى ورقة ضغط إقليمية، خصوصًا إذا انتقلت القضية من مرحلة وقف الحرب إلى مرحلة إدارة القطاع وإعادة الإعمار وترتيبات الأمن والحكم.

دمياط.. الأمن البحري يدخل الحسابات المصرية – التركية

وتأتي مباحثات العلمين في ظل تطور أمني حساس يتعلق بالأمن البحري المصري.

ففي 29 يوليوز (يوليو/ تموز) الماضي، اندلع حريق في سفينتين بميناء دمياط، قبل أن تؤكد الحكومة المصرية أن التحقيقات الأولية أظهرت أن الحادث نجم عن طائرة مسيرة، من دون إعلان أي جهة مسؤوليتها عن الهجوم، مع استمرار التحقيقات.

وأشارت رويترز إلى أن إحدى السفن المتضررة كانت وحدة تخزين عائمة للغاز الطبيعي المسال مملوكة لشركة أمريكية، وأن الحريق امتد إلى سفينة أخرى، بينما أثار الحادث مخاوف بشأن أمن مسارات الطاقة والنقل البحري في المنطقة.

وفي المقابل، أكدت هيئة ميناء دمياط استمرار حركة السفن والشحن والخدمات البحرية بصورة طبيعية عقب الحادث، بما يعكس رغبة مصر في منع الحادث من التحول إلى أزمة اقتصادية أو أمنية أوسع.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة في ضوء حديث فيدان عن التعاون المصري – التركي في شرق المتوسط والصناعات الدفاعية.

فالأمن البحري لم يعد ملفًا منفصلًا عن الأمن الإقليمي. فاضطراب الملاحة في البحر الأحمر وخليج عدن، والتوتر حول مضيق هرمز، والهجمات التي طالت منشآت وسفنًا في المنطقة، تجعل شرق المتوسط وقناة السويس جزءًا من معادلة أمنية واحدة.

ومن هذه الزاوية، فإن التعاون المصري – التركي في الصناعات الدفاعية والبحرية قد يحمل خلال السنوات المقبلة أبعادًا تتجاوز التعاون العسكري التقليدي إلى حماية البنية التحتية الحيوية وخطوط التجارة والطاقة.

الملف الليبي

الملف الليبي يمثل اختبارًا أكثر تعقيدًا للعلاقة بين القاهرة وأنقرة.

فتركيا تمتلك حضورًا عسكريًا وسياسيًا واضحًا في غرب ليبيا، بينما ارتبطت مصر تاريخيًا بمصالح أمنية مباشرة في شرق ليبيا وحدودها الغربية، ولذلك كان الملف الليبي أحد أكثر ملفات التنافس حساسية بين البلدين خلال سنوات الأزمة.

لكن اللافت أن القاهرة وأنقرة انتقلتا تدريجيًا من منطق المواجهة غير المباشرة إلى محاولة إدارة الاختلاف عبر الحوار.

وأكد عبد العاطي في العلمين ضرورة خروج المقاتلين والمرتزقة من ليبيا وتوحيد المؤسسات الليبية والحفاظ على وحدة الأراضي، بينما أكد فيدان توافق بلاده مع مصر بشأن وحدة ليبيا وسيادتها.

وهذا الموقف يتطابق مع ما ورد في الإعلان المشترك لمجلس التعاون الاستراتيجي المصري – التركي، الذي أكد دعم عملية سياسية ليبية “ليبية القيادة والملكية” تحت رعاية الأمم المتحدة، بهدف الحفاظ على الأمن والاستقرار والسيادة والوحدة السياسية وسلامة الأراضي الليبية.

لكن التحدي الحقيقي يتمثل في ترجمة هذا التوافق السياسي إلى تفاهمات عملية.

فالقاهرة تريد منع تحول ليبيا إلى مصدر تهديد مباشر لأمنها القومي أو إلى ساحة لتكريس نفوذ عسكري أجنبي طويل الأمد، بينما تنظر أنقرة إلى ليبيا باعتبارها جزءًا مهمًا من مصالحها الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية في البحر المتوسط.

وبالتالي فإن التفاهم المصري – التركي بشأن ليبيا يعني أن الطرفين باتا أكثر اقتناعًا بأن إدارة الخلاف أفضل من تحويله إلى صراع مفتوح.

السودان.. تقاطع الأمن القومي مع المصالح الإقليمية

السودان هو الملف الآخر الذي يكشف حجم التقارب بين الرؤيتين المصرية والتركية.

وأكد عبد العاطي أن الأولوية تتمثل في وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وإطلاق عملية سياسية شاملة، والحفاظ على وحدة السودان، بينما أعلن فيدان توافق أنقرة مع القاهرة بشأن ضرورة إنهاء الحرب وتخفيف معاناة الشعب السوداني.

وكان الإعلان المصري – التركي الصادر في فبراير (شباط) قد شدد على احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه، ودعم مؤسساته الوطنية، ورفض إنشاء هياكل حكم موازية، إلى جانب الدعوة إلى هدنة إنسانية تؤدي إلى وقف دائم لإطلاق النار وعملية سياسية سودانية شاملة.

وبالنسبة إلى مصر، لا يمثل السودان أزمة خارجية بالمعنى التقليدي؛ فالدولة ترتبط مباشرة بالأمن القومي المصري، سواء عبر الحدود أو مياه النيل أو الأمن الغذائي أو حركة السكان.

أما تركيا، فقد طورت خلال السنوات الماضية حضورًا سياسيًا واقتصاديًا في السودان والقرن الأفريقي، ولذلك فإن استقرار السودان يخدم مصالحها أيضًا.

ويضاف إلى ذلك أن الحرب السودانية أصبحت ساحة تنافس إقليمي ودولي، ما يجعل التعاون المصري – التركي محاولة لتشكيل مساحة مشتركة من التحرك بدل ترك مستقبل السودان بالكامل للقوى الخارجية.

سوريا والصومال.. مبدأ واحد: رفض تفكيك الدول

فيما يتعلق بسوريا، أكد عبد العاطي رفض مصر للانتهاكات الإسرائيلية في الأراضي السورية، وتمسكها بوحدة الأراضي السورية باعتبارها عنصرًا أساسيًا في استقرار المنطقة.

أما فيما يتعلق بالصومال، فجددت القاهرة رفضها لأي مخططات تستهدف تقسيم الدولة الصومالية.

وقد تبدو الملفات الثلاثة – سوريا وليبيا والصومال – مختلفة في طبيعتها، لكنها تكشف مبدأً واحدًا في السياسة المصرية: الحفاظ على وحدة الدول وسلامة أراضيها ورفض إعادة رسم خرائط المنطقة بالقوة.

وهذا المبدأ يتقاطع بدرجات مختلفة مع الموقف التركي، خصوصًا أن أنقرة نفسها تنظر إلى ملفات الحدود والتقسيمات المحتملة في محيطها باعتبارها قضايا ذات تأثير مباشر على أمنها القومي.

وفي الإعلان المصري – التركي السابق، شدد البلدان بالفعل على احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها، كما أدرجا سوريا وليبيا والسودان والصومال ضمن الملفات التي تستوجب التنسيق الإقليمي.

الاقتصاد.. الجانب الآخر من الشراكة

لا يقتصر التقارب على السياسة والأمن.

فقد أكد عبد العاطي أن حجم التبادل التجاري بين مصر وتركيا بلغ نحو 9 مليارات دولار، مع هدف رفعه إلى 15 مليار دولار خلال السنوات المقبلة.

وهذا الهدف ليس جديدًا؛ فقد أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان في فبراير (شباط) 2026 أن حجم التجارة الثنائية ظل في نطاق 8 إلى 9 مليارات دولار خلال السنوات الثلاث السابقة، وأن البلدين يستهدفان الوصول إلى 15 مليار دولار.

ومن هنا يمكن فهم البعد الاقتصادي للشراكة باعتباره عنصرًا مكملًا للبعد السياسي.

كما أن موقع مصر كبوابة إلى أفريقيا والبحر الأحمر وقناة السويس، وموقع تركيا كبوابة إلى أوروبا والبحر الأسود وآسيا الوسطى، يفتح المجال أمام بناء شبكات نقل وطاقة وتجارة أكثر تكاملًا.

شرق المتوسط.. منطقة المصالح المتشابكة

حديث فيدان عن تعزيز التعاون المصري – التركي في شرق المتوسط يحمل أهمية خاصة.

فالمنطقة تضم ملفات الطاقة والغاز وترسيم الحدود البحرية والأمن البحري والمنافسة بين تركيا واليونان وقبرص وإسرائيل ومصر.

وقد أظهرت السنوات الأخيرة أن شرق المتوسط لم يعد مجرد ملف غاز، بل أصبح جزءًا من التنافس على طرق التجارة والطاقة وممرات النقل.

وبالتالي فإن التقارب المصري – التركي قد يفتح الباب أمام تفاهمات أكثر مرونة في المنطقة.

هل تتحول مصر وتركيا إلى محور إقليمي؟

السؤال الأهم الذي تطرحه محادثات العلمين هو: هل أصبحت لدى القاهرة وأنقرة مصالح مشتركة كافية للعمل معًا في إدارة الأزمات؟

المؤشرات الحالية تقول إن الإجابة تقترب من نعم.

فالإعلان المشترك لمجلس التعاون الاستراتيجي أظهر استعدادًا لتنسيق المواقف بشأن غزة وليبيا والسودان وسوريا، بينما جاءت زيارة فيدان الجديدة لتؤكد استمرار هذا المسار. كما أن وزارة الخارجية المصرية أعلنت قبل أيام أن الاتصالات بين الوزيرين تأتي في إطار التشاور الدوري بشأن تطورات الشرق الأوسط، بالتزامن مع احتفال البلدين هذا العام بمرور 100 عام على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما.

لكن من الخطأ وصف ذلك حتى الآن بأنه “تحالف مصري – تركي” بالمعنى العسكري.

الأدق أنه شراكة إقليمية آخذة في التبلور، تقوم على ثلاثة مستويات: مصالح اقتصادية متنامية، وتنسيق سياسي بشأن أزمات المنطقة، وتعاون أمني ودفاعي يتسع تدريجيًا.

الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة

بالمحصلة، تكشف مباحثات العلمين أن العلاقات المصرية – التركية دخلت مرحلة أكثر نضجًا من مجرد تجاوز الخلافات السابقة.

القاهرة وأنقرة تدركان أن الشرق الأوسط يدخل مرحلة مختلفة؛ فالحرب في غزة، والتوترات المرتبطة بإيران، واضطراب الملاحة، وأزمات ليبيا والسودان وسوريا والصومال، كلها تخلق بيئة لا تستطيع فيها أي قوة إقليمية منفردة إدارة الملفات المعقدة.

ومن ثم، فإن التقارب المصري – التركي لا يعني بالضرورة نشوء محور مغلق ضد طرف آخر، وإنما قد يكون جزءًا من اتجاه أوسع نحو إعادة توزيع مسؤولية الأمن الإقليمي بين القوى الموجودة في المنطقة نفسها.

وإذا استمر هذا المسار، فقد تتحول القاهرة وأنقرة خلال السنوات المقبلة إلى شريكين يتفاوضان على كيفية إدارة التنافس وتقليل مخاطره.

وهذه ربما تكون الرسالة الأهم التي خرجت من العلمين: الأزمات الإقليمية لم تعد تدفع مصر وتركيا إلى الابتعاد، بل أصبحت في بعض الملفات سببًا إضافيًا لتقارب مواقفهما.