في المغرب، لم يعد العيد لحظة تُستقبل فقط بفرح الإعلان، بل أصبح حدثاً يمتد أثره قبل أيامه وبعده. وحتى بعد مرور الأربعاء، يوم العيد، ما تزال تداعياته حاضرة في البيوت والأسواق، وكأن الزمن الاجتماعي لم يغلق بعد هذا الملف الثقيل. فالأسر المغربية دخلت هذه السنة في سباق نفسي واجتماعي مرهق، عنوانه لم يتغير كثيراً: كيف ننجز الشعيرة دون أن نستنزف ما تبقى من قدرتنا على الاحتمال؟
في الأزقة والأسواق، لم يعد الحديث عن الأضحية مجرد احتفال ديني أو طقس فرح جماعي، بل تحول إلى نقاش يومي ثقيل حول الأسعار، والديون، وضغط المجتمع، والخوف من نظرة الأطفال والجيران بعد انقضاء المناسبة. ومع هذا المشهد، يسهل على البعض أن يختزل الأزمة في سلوك المواطن البسيط، أو أن يسخر من “اللهفة” التي رافقت البحث عن الأضحية، وكأن ما جرى مجرد خلل في أخلاق الأفراد، لا نتيجة مباشرة لتراكمات سياسات واختيارات اقتصادية أوسع.
في هذا السياق، جاءت تدوينة الإعلامي عبد الله الترابي كصرخة ضد ما وصفه بمحاولة تحميل المغاربة مسؤولية مأزق لم يصنعوه. فليس من الإنصاف، كما يرى، أن يُلام المواطن لأنه يتمسك بشعيرة متجذرة في الوعي الجماعي المغربي، ولا أن يُطلب من أب أن يعود إلى بيته بلا أضحية بينما يعيش أطفاله ضغط المقارنة مع محيطهم الاجتماعي. فالعيد في المغرب ليس مجرد طقس ديني عابر، بل منظومة رمزية وثقافية متشابكة، تتجاوز القدرة الفردية أحياناً، وتتحول إلى جزء من الإحساس بالكرامة والانتماء.
لكن خلف هذا المشهد الإنساني تختبئ أسئلة أكثر إزعاجاً. كيف وصلت أسعار الأغنام إلى هذا المستوى رغم سنوات من الدعم العمومي الموجه للقطاع الفلاحي؟ وكيف تحوّل الحديث عن “وفرة القطيع” و”استقرار السوق” إلى واقع يصطدم يومياً بجيوب المغاربة؟ هنا لا يعود النقاش مرتبطاً فقط بالسوق والعرض والطلب، بل بطريقة تدبير قطاع كامل، وبالنموذج الاقتصادي الذي سمح بتحويل الدعم إلى باب واسع للريع والمضاربة بدل حماية الأمن الغذائي والاجتماعي للمواطنين.
ما يحدث اليوم يكشف أيضاً عن خلل أعمق في العلاقة بين السياسة والاقتصاد. فحين يصبح القطاع الفلاحي مجالاً لإنتاج النفوذ الانتخابي، وحين تتداخل المصالح بين المال والسلطة والتمثيل السياسي، يصبح المواطن آخر من تُؤخذ مصلحته بعين الاعتبار. مليارات الدراهم التي ضُخت تحت عنوان دعم الفلاحة لم تمنع انفجار الأسعار، ولم تخلق توازناً حقيقياً في السوق، بل كرست شعوراً متزايداً بأن المستفيد الأكبر هم كبار الفاعلين والوسطاء، بينما تُترك الأسر المغربية وحدها في مواجهة الغلاء والضغط الاجتماعي.
الأخطر من كل ذلك، أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل نفسية ومجتمعية أيضاً. فالإحساس بالعجز أمام متطلبات مناسبة دينية بهذا الحجم يخلق توتراً جماعياً صامتاً، ويعمق الفجوة بين الخطاب الرسمي الذي يتحدث عن النجاح والاستقرار، وبين الواقع اليومي الذي يعيشه الناس في الأسواق والأحياء الشعبية. ولذلك، فإن اختزال الأزمة في “سلوك المستهلك” أو “عدم تحضر المواطنين” ليس سوى محاولة للهروب من جوهر المشكلة: أزمة ثقة في السياسات وفي الوعود وفي قدرة الدولة على حماية التوازن الاجتماعي.
في النهاية، لا تبدو قضية الأضاحي هذا العام مجرد نقاش موسمي حول الأسعار، بل مرآة تعكس أسئلة أكبر بكثير: أي نموذج اقتصادي يُبنى في المغرب؟ ولصالح من تُدار السياسات العمومية؟ وكيف يمكن لمجتمع يُطلب منه باستمرار الصبر والتحمل أن يستمر في حمل أعباء مناسبات دينية واجتماعية أصبحت أثقل من قدرته؟
ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو لماذا يلهث المغاربة وراء “كبش العيد”، بل لماذا أصبحت شعيرة كانت رمزاً للفرح الجماعي تتحول عاماً بعد عام إلى اختبار قاسٍ للقدرة على العيش بكرامة.