العدالة والتنمية يعود إلى الانتخابات.. برنامج «التصحيح» أم محاولة لاسترداد الحزب الذي خرج من الحكومة؟

0
80

لم يحتج حزب العدالة والتنمية، وهو يقدم برنامجه الانتخابي لاقتراع 23 شتنبر، إلى اختراع خصم جديد. بعض أكثر ما يميّز الوثيقة التي عرضها في الرباط هو أنها تنظر إلى السنوات الخمس الماضية من خلال ما تريد تغييره أو استعادته أو استئنافه.

خمسة محاور و467 إجراءً، لكن خلف هذا العدد توجد فكرة أبسط: هناك أشياء يقول الحزب إنها سارت في الاتجاه الخطأ بعد خروجه من الحكومة، وأشياء أخرى بدأها هو نفسه ثم توقفت أو تغيرت طريقة تنزيلها.

من هنا تبدأ صعوبة قراءة برنامج «المصباح».

فالحزب لا يدخل انتخابات 2026 كما يدخلها حزب لم يسبق له أن تحمل مسؤولية الحكومة. حين يقترح إلغاء سقف 35 سنة لولوج مباريات التعليم، أو إعادة النظر في شروط التوظيف، فهو لا يقدم وعداً مجرداً، بل يتدخل في سياسة عمومية يعرفها من داخل التجربة الحكومية ومن المعارضة معاً.

وحين يريد مراجعة القاسم الانتخابي والعودة إلى احتساب المقاعد على أساس الأصوات الصحيحة، فإن الأمر ليس تفصيلاً تقنياً في برنامجه. الحزب جعل هذه القضية جزءاً من معركته السياسية منذ انتخابات 2021، ويعتبر الصيغة الحالية غير منصفة له وللتمثيلية الانتخابية عموماً.

وهنا تظهر إحدى المفارقات التي لا تحتاج إلى تعليق طويل.

العدالة والتنمية يطلب من الناخبين أن يمنحوه فرصة جديدة لتصحيح اختيارات يقول إن جزءاً منها انحرف، لكن الناخب يستطيع في المقابل أن يسأله عن اختيارات السنوات التي كان فيها هو من يملك سلطة القرار.

ذلك السؤال لا يمكن تجاوزه في حالة حزب حكم المغرب عشر سنوات متتالية، بين حكومتي عبد الإله بنكيران وسعد الدين العثماني.

ولهذا لا يبدو البرنامج، في كثير من صفحاته، كأنه برنامج حزب يريد أن يقول فقط: «سنفعل». إنه يقول أيضاً: «سنعود إلى ما نعتقد أنه كان ينبغي أن يستمر».

في الصحة مثلاً، لا يقترح الحزب إلغاء «أمو تضامن»، وإنما حصر الاستفادة المجانية من خدماتها داخل المراكز الصحية والمستشفيات العمومية، مع توجيه الاعتمادات إليها بدل أن تستفيد منها المصحات الخاصة. ويقدم الحزب ذلك باعتباره إعادة اعتبار للمرفق الصحي العمومي.

المقترح يحمل معه سؤالاً مالياً وتنفيذياً واضحاً: هل تستطيع المستشفيات العمومية أن تستوعب هذه الوظيفة وتضمن في الوقت نفسه الجودة والاستقبال والطاقة الاستيعابية المطلوبة؟

البرنامج لا يُختزل في هذا السؤال، لكنه لا يستطيع أيضاً الهروب منه.

في الاقتصاد، تظهر الفكرة نفسها بأشكال مختلفة. دعم المقاولات الصغيرة، مراجعة بعض الاختيارات الجبائية، معالجة ما يعتبره الحزب اختلالات في سوق المحروقات، واستعادة أدوار للدولة في قطاعات يرى أنها أصبحت أكثر ارتباطاً بمنطق السوق.

وفي الانتخابات، يريد الحزب إلغاء الصيغة الحالية للقاسم والعودة إلى احتساب القاسم على أساس الأصوات الصحيحة، وهي نقطة سبق أن ضمنها في مذكرته المتعلقة بالإعداد للانتخابات.

لكن الحزب يحاول، في الوقت نفسه، ألا يقدم نفسه كمن يفتح دفتر الشيكات.

خلال تقديم البرنامج، دافع قياديوه عن تجنب المزايدات الرقمية والوعود التي لا يمكن تمويلها، فيما يتضمن البرنامج نفسه حديثاً عن استدامة المالية العمومية وترشيد الإنفاق وربط الالتزامات الجديدة بمصادر تمويل مستدامة.

وهذه نقطة تستحق التوقف عندها لأن الخطاب الانتخابي المغربي اعتاد أن يبدأ من سؤال: ماذا سنعطي؟ بينما يصر «المصباح» في هذه الوثيقة على إضافة سؤال آخر: من أين سنمول؟

لا يعني ذلك أن كل المقترحات مفصلة بالقدر نفسه. بعض الإجراءات تحتاج، قبل تحويلها إلى سياسات حكومية، إلى تحديد أكبر للكلفة وشروط الاستفادة ومصادر التمويل. ولذلك فإن وصف البرنامج بأنه «واقعي» لا ينبغي أن يتحول إلى شهادة مسبقة على قابليته الكاملة للتنفيذ.

هناك ملف آخر أكثر حساسية، لأنه لا يتعلق فقط بسياسة عمومية، وإنما بصورة الحزب عن نفسه.

السياسة الخارجية ليست هامشاً في البرنامج. الحزب وضع لها محوراً مستقلاً بعنوان «وحدة، وسيادة، وإشعاع»، ويتناول فيه الصحراء والسيادة، وفلسطين، والعلاقات العربية والإسلامية والإفريقية والدولية، ثم الدبلوماسية الاقتصادية.

وفي هذا المحور يعلن الحزب رفضه ومناهضته لجميع أشكال التطبيع مع إسرائيل، بما في ذلك العلاقات والاتفاقيات ومكتب الاتصال ولجنة الصداقة البرلمانية، وفق ما أُعلن عند تقديم البرنامج.

يصعب فصل هذا الموقف عن الذاكرة السياسية للحزب.

في دجنبر 2020 كان سعد الدين العثماني، بصفته رئيساً للحكومة المنتمي إلى العدالة والتنمية، أحد الموقعين على الاتفاق الثلاثي الذي رافق استئناف العلاقات المغربية الإسرائيلية.

اليوم يضع الحزب مناهضة التطبيع داخل برنامجه الانتخابي.

لا يمكن محو الواقعة الأولى بالثانية، كما لا يمكن اختزال الموقف الحالي في محاولة سياسية لتجاوز الماضي من دون الاستماع إلى ما يقوله الحزب نفسه عن تلك المرحلة. لكن وجود الموقفين داخل تاريخ حزب واحد يفرض على الناخب سؤالاً مشروعاً حول المسافة بين ما يقوله الحزب حين يكون في المعارضة وما يستطيع فعله حين يكون في الحكومة.

وهذه المسافة هي بالضبط ما يجعل عودة العدالة والتنمية مختلفة عن عودة حزب لم يختبر السلطة.

فالحزب يعرف الدولة، لكنه يعرف أيضاً أن الدولة التي يدخلها الحزب ليست هي الحزب الذي يدخل الدولة.

بعد عشر سنوات في الحكم، ثم خمس سنوات في المعارضة، تبدو الوثيقة الجديدة أقرب إلى عملية فرز للإرث منها إلى محاولة لبناء هوية انتخابية من الصفر.

حتى في مسألة المرشحين تظهر إشارة في الاتجاه نفسه. في وقت تحولت فيه تنقلات بعض المرشحين بين الأحزاب إلى جزء واضح من موسم الانتخابات، يطرح العدالة والتنمية في برنامجه إجراءات لمحاربة الترحال السياسي، ويدعو إلى شفافية مساطر التزكية ومنع المنتخب باسم حزب من الترشح في الاستحقاق الموالي باسم حزب آخر.

ولا يعني ذلك أن الحزب خرج نهائياً من منطق المنافسة الانتخابية التقليدية، ولا توجد معطيات كافية للحكم مسبقاً على حجم تأثير هذا الاختيار في النتائج. لكن اللافت أن الحزب الذي يستعد لاستعادة مقاعده لا يقدم نفسه، في هذه المرحلة، باعتباره مضطراً إلى استيراد وجوه انتخابية من كل مكان حتى يثبت حضوره.

ربما لأن معركته الحقيقية هذه المرة ليست فقط مع الأحزاب الأخرى.

إنها مع ذاكرته أيضاً.

العدالة والتنمية يدخل انتخابات 2026 وهو يحمل معه تجربته الحكومية، وخسارة انتخابات 2021، وخمس سنوات من المعارضة، ونقاشاً مستمراً حول ما جرى للحزب بعد مغادرته السلطة. لذلك لا يكفي أن نسأل كم مقعداً يمكن أن يستعيد.

السؤال الأصعب هو ما إذا كان الحزب الذي سيعود، إن عاد، هو الحزب نفسه الذي دخل الحكومة سنة 2011، أم حزب آخر صنعته عشر سنوات من الحكم ثم خمس سنوات من محاولة فهم ما حدث بعدها.

البرنامج لا يقدم جواباً نهائياً عن ذلك.

لكنه يكشف شيئاً مهماً: «المصباح» لا يخوض هذه الانتخابات بوعد أن المغرب سيبدأ معه من جديد. إنه يدخلها وهو يحمل قائمة بما يريد أن يعيده، وما يريد أن يصححه، وما يعتقد أن حكومات ما بعده غيّرته في الاتجاه الخطأ.

وهذا يضعه أمام امتحان مختلف عن مجرد استعادة الأصوات.

فالناخب الذي يتذكر ما فعله الحزب في الحكومة لن يقرأ هذه الوعود بالطريقة نفسها التي يقرأها بها ناخب يرى فيه فقط حزباً عائداً من المعارضة.

بين الاثنين توجد عشر سنوات من الحكم.

وهي، في انتخابات 23 شتنبر، ليست ماضياً سياسياً فقط، بل جزء من السؤال الذي سيُطرح على «المصباح» إذا طرق باب الحكومة من جديد.