من أخاف القصر الإسباني؟ الرباط صامتة.. وإعلام سبتة يصنع حرباً لم يعلنها المغرب

0
61

سبتة تدخل حسابات الدفاع الإسباني.. هل فرض صمت الرباط معادلة جديدة على مدريد؟

لم يكن اجتماع الملك فيليبي السادس بوزيرة الدفاع مارغريتا روبلس ورئيس أركان الدفاع الأدميرال تيودورو لوبيز كالديرون وقائد العمليات البرية والقيادات العملياتية، إلى جانب القائد العام لسبتة، اجتماعاً بروتوكولياً عابراً.

فبحسب بلاغ القصر الملكي الإسباني، عقد الاجتماع في قصر زارزويلا لمناقشة وضع سبتة «من وجهة نظر الدفاع». وحضر اللقاء، إلى جانب روبلس ورئيس أركان الدفاع، رئيس قيادة العمليات ورئيس القيادة العملياتية البرية والقائد العام لسبتة.

العبارة التي اختارتها المؤسسة الملكية الإسبانية تستحق التوقف عندها: الدفاع.

فالأزمة التي بدأت في نهاية يوليوز باعتبارها تدفقاً جماعياً للمهاجرين نحو سبتة، تحولت خلال أسابيع إلى ملف تتداخل فيه الهجرة مع الأمن، ثم مع الجاهزية، ثم يصل إلى أعلى مستوى في هرم المؤسسة العسكرية الإسبانية.

وهذا التحول لا يحتاج إلى مبالغة حتى يصبح لافتاً.

في 30 و31 يوليوز شهدت المنطقة الحدودية مع سبتة تدفقاً استثنائياً للمهاجرين. وزارة الداخلية الإسبانية تحدثت لاحقاً عن نحو 50 ألف دخول خلال ليلة واحدة، فيما رفعت حصيلة الأيام الأخيرة من يوليوز إلى نحو 72 ألفاً وفق المعطيات التي نقلتها وسائل إعلام إسبانية عن الوزارة.

الأرقام نفسها كانت كافية لجعل المدينة تدخل حالة استثنائية، لكن ما جعل الأزمة أكثر تعقيداً هو السؤال الذي بقي بلا جواب نهائي: كيف حدث كل ذلك؟

في مدريد، لم تستقر الرواية.

تقرير أمني إسباني قُدم إلى المحكمة الوطنية تحدث عن دخول «مخطط له» وعن درجة غير عادية من التساهل من جانب قوات الأمن المغربية، بل أشار إلى وجود عناصر بزي رسمي وغير رسمي في مواقع قريبة من التحركات.

لكن الحكومة الإسبانية نفسها طلبت الحذر في قراءة التقرير، ونفت أن يكون قد حمّل السلطات المغربية مسؤولية مباشرة عن التخطيط أو التنفيذ. وبعد أيام، قال رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان إنه لا توجد أدلة ملموسة تثبت أن السلطات المغربية دبرت العملية، وترك الباب مفتوحاً بين احتمال التقصير واحتمال عدم القدرة على احتواء الوضع.

أما الرباط فلم تدخل في سجال علني موازٍ مع مدريد لتثبيت رواية مضادة تفصيلياً. موقفها اتجه إلى رفض الاتهامات، بينما استمرت أجهزتها في التعامل مع الوضع الحدودي، وعادت أعداد كبيرة من الذين دخلوا إلى سبتة إلى المغرب.

هذا الصمت المغربي اكتسب، مع مرور الوقت، قيمة سياسية مختلفة.

ففي الأزمات السابقة كانت مدريد تجد نفسها أمام ردود مغربية واضحة يمكن التفاوض معها أو مهاجمتها أو احتواؤها. هذه المرة، بقيت مساحة واسعة من الأسئلة معلقة، بينما تكفلت التقارير الأمنية والإعلامية الإسبانية بإنتاج روايات متعددة ومتناقضة.

وفي الوقت نفسه، لم تكن الرباط في وضع دبلوماسي يشبه ذلك الذي كانت عليه قبل سنوات.

ففي الأول من غشت، وبعد أيام قليلة من أزمة سبتة، أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التأكيد، في رسالة إلى الملك محمد السادس بمناسبة عيد العرش، على اعتراف الولايات المتحدة بسيادة المغرب على الصحراء المغربية، ودعم مقترح الحكم الذاتي باعتباره أساساً للحل. كما شدد الخطاب على التعاون الأمني والعلاقات الثنائية بين واشنطن والرباط.

ولم يكن هذا هو التطور الوحيد.

فخلال الأزمة نفسها، دخلت إسرائيل على الخط بتصريحات في الأمم المتحدة أعادت النقاش حول وجود سبتة ومليلية في القارة الإفريقية. كما تناولت وسائل إعلام دولية المواقف الأمريكية والإسرائيلية باعتبارها جزءاً من البيئة الدبلوماسية الجديدة التي تتحرك فيها الرباط.

لكن هذه المعطيات لا تعني أن واشنطن أو تل أبيب أعلنتا تأييداً للمغرب في مسألة سيادة سبتة ومليلية. هذا استنتاج لا تسنده الوقائع المتاحة. ما هو ثابت أن المغرب يدخل هذه الأزمة وهو يتمتع بدعم أمريكي واضح في قضية الصحراء المغربية، وبعلاقات أمنية وعسكرية متقدمة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وهي عناصر تمنحه وزناً مختلفاً في الحسابات الإقليمية.

وهذا الفارق مهم.

لأن مدريد لا تواجه الرباط نفسها التي كانت تواجهها في أزمات سابقة، حتى لو ظل موقف إسبانيا من سبتة ومليلية ثابتاً.

الدليل يأتي من داخل المؤسسة الإسبانية نفسها.

في الأسابيع التي أعقبت أحداث يوليوز، انتقلت الحكومة الإسبانية إلى إجراءات استثنائية لدعم سبتة. وفي الأول من شتنبر أقرت خطة بقيمة 309 ملايين يورو تشمل الأمن والاستقبال والخدمات ودعم الاقتصاد المحلي، كما أعلنت الحكومة في 26 غشت وضع موارد في إطار «وضعية اهتمام بالأمن الوطني» في المدينة.

ثم يأتي اجتماع فيليبي السادس.

الملك، بصفته القائد الأعلى للقوات المسلحة، يجلس مع وزيرته في الدفاع ورئيس أركان الدفاع والقيادات العملياتية وقائد سبتة، ليس لمناقشة ملف الهجرة فقط، وإنما لدراسة وضع المدينة من زاوية الدفاع.

في اليوم نفسه تقريباً، كانت الحكومة تتابع تقريراً محدثاً عن الوضع في سبتة، يشمل الأمن والاستقبال وحماية الأطفال والخدمات الصحية.

وهكذا بدأت الصورة تتغير من الداخل الإسباني نفسه: سبتة لم تعد مجرد نقطة حدودية تستقبل مهاجرين، بل أصبحت ملفاً يتطلب تعبئة سياسية وأمنية ومالية وعسكرية.

حتى زيارة فيليبي السادس إلى المدينة، التي أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أنها ستتم خلال الأسابيع المقبلة، لم تعد تبدو مجرد زيارة رمزية. فالملك لم يزر سبتة منذ توليه العرش، والقصر والحكومة يعملان على تفاصيل أول زيارة من هذا النوع.

واللافت أن الاستعداد للزيارة جاء بعد أن عقد الملك اجتماعاً خاصاً مع قيادة الدفاع حول المدينة.

لا توجد وثيقة منشورة تقول إن الاجتماع كان تمهيداً للزيارة، ولا توجد معطيات تثبت أن الرباط دفعت الملك إلى اتخاذ هذا القرار. لكن تزامن الخطوتين يوضح أن سبتة أصبحت حاضرة بقوة في الحسابات العليا للدولة الإسبانية.

وفي الخلفية، هناك عامل آخر لا تستطيع مدريد تجاهله: المغرب لم يندفع إلى التصعيد الذي كان يمكن أن تمنحه له الأزمة.

فالرباط لم تحوّل أحداث يوليوز إلى مواجهة مفتوحة مع إسبانيا، ولم تجعل من التصريحات المتعلقة بسبتة ومليلية عنواناً لتحرك دبلوماسي واسع. وحتى عندما عادت القضية إلى الواجهة عبر تصريحات مسؤولين مغاربة، ظل الحديث الرسمي مرتبطاً بالحوار وبحل القضية على المدى الطويل.

هذا الهدوء لا ينبغي تفسيره تلقائياً على أنه تراجع.

في السياسة الخارجية، قد يكون الامتناع عن التصعيد جزءاً من إدارة القوة، خصوصاً عندما تتغير البيئة الدولية المحيطة بالدولة.

إسبانيا نفسها تعرف أن علاقتها بالمغرب لا تختزل في سبتة ومليلية. هناك الهجرة، والأمن، ومكافحة شبكات الاتجار، والتعاون الاستخباراتي، والتجارة، ومصالح اقتصادية متشابكة، إضافة إلى الملف الأكثر حساسية: الصحراء المغربية.

وهنا تصبح المفارقة أكثر وضوحاً.

مدريد متمسكة بأن سبتة ومليلية جزء من التراب الإسباني، وقد أعلنت وزيرة الدفاع روبلس أن أي تهديد لهما هو تهديد لإسبانيا. وفي المقابل، فإن مدريد نفسها غيّرت منذ 2022 مقاربتها لملف الصحراء المغربية، وأقرت بأن مقترح الحكم الذاتي الذي قدمه المغرب هو الأساس «الأكثر جدية وواقعية ومصداقية» للحل.

أي أن العلاقة المغربية الإسبانية لم تعد تقوم على ملف واحد، ولا يمكن لمدريد أن تتعامل مع سبتة بمعزل عن بقية عناصر العلاقة.

لهذا تبدو صورة فيليبي السادس مع قيادة الدفاع أكثر دلالة مما يوحي به الخبر الأول.

لا يوجد في الاجتماع إعلان عن مواجهة عسكرية، ولا دليل على أن إسبانيا تتوقع حرباً مع المغرب. كما لا يوجد ما يثبت أن الرباط تستعد لتحرك عسكري أو حتى سياسي مباشر بشأن سبتة.

لكن هناك شيئاً أكثر هدوءاً وأشد واقعية: الدولة الإسبانية تعيد تقييم موقع سبتة بعد أزمة كشفت هشاشة حدودها، في وقت أصبحت فيه كلفة أي سوء تقدير مع الرباط أعلى مما كانت عليه في السابق.

وإذا كانت مدريد لا تزال تملك خطاباً سيادياً حازماً بشأن المدينة، فإنها باتت تدرك أيضاً أن التعامل مع المغرب لا يمكن أن يقوم على ردود الفعل وحدها.

أما الرباط، فقد اختارت حتى الآن ألا تقدم لإسبانيا المعركة التي قد تكون بعض الأصوات السياسية والإعلامية داخلها راغبة في خوضها.

تركت الوقائع تتراكم.

ثم جاء الملك الإسباني ليجلس مع قيادة الدفاع، فيما تستعد الحكومة لأول زيارة ملكية إلى سبتة، وفي وقت تتحرك فيه الرباط في بيئة دولية أكثر قوة، مستندة إلى دعم أمريكي واضح في قضية الصحراء المغربية وعلاقات استراتيجية متنامية مع واشنطن وإسرائيل.

ليس المطلوب أن نقرأ في ذلك ما لا تقوله الوثائق.

لكن من الصعب أيضاً تجاهل أن مدريد بدأت تتعامل مع سبتة باعتبارها ملفاً يحتاج إلى حسابات أوسع من مجرد إدارة الحدود، بينما اختارت الرباط أن تترك لها عبء تفسير ما حدث، وأن تحتفظ لنفسها بهامش الحركة.