لم يكن المشهد الذي أثار تفاعلاً واسعاً على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد واقعة عابرة تتعلق ببائع متجول يحاول الإفلات من عناصر السلطة. بالنسبة لكثيرين، تحولت الصورة إلى مرآة تعكس شعوراً متراكماً لدى فئات واسعة من المواطنين بأن الدولة تكون أكثر حضوراً عندما يتعلق الأمر بالحلقة الأضعف، بينما يبدو حضورها أقل وضوحاً في مواجهة الملفات الكبرى التي تستنزف المال العام أو تثير أسئلة حول الحكامة والعدالة الاجتماعية.
في هذا السياق، جاءت تدوينة الباحث في الجغرافيا السياسية والاقتصاد السياسي أيوب الرضواني بصيغة صادمة ومشحونة بالأسئلة أكثر مما هي محشوة بالأجوبة. فالرجل لا يناقش في جوهر نصه بائع البالونات نفسه، بل يستخدمه كرمز اجتماعي مكثف. رمز لمواطن بسيط يبحث عن دخل يومي محدود في اقتصاد غير مهيكل يعيش منه ملايين المغاربة بصورة مباشرة أو غير مباشرة.
تقوم الفكرة المركزية للنص على مقارنة بين صورتين متناقضتين في المخيال الجماعي. الصورة الأولى تتعلق بمظاهر التدخل السريع والحازم عندما يتعلق الأمر بالباعة الجائلين أو مستغلي الملك العمومي أو المخالفات الصغيرة. أما الصورة الثانية فتتعلق بملفات أكبر حجماً وأكثر تأثيراً على الاقتصاد والمجتمع، من قبيل الفساد المالي، والتهرب الضريبي، والاحتكار، والاختلالات التي تسجلها مؤسسات الرقابة الوطنية والدولية بين الحين والآخر.
ورغم أن كثيراً من الأرقام الواردة في التدوينة تدخل ضمن إطار الجدل السياسي والإعلامي وتحتاج إلى تدقيق مستقل وربطها بتقارير رسمية أو أحكام قضائية، فإن القيمة الحقيقية للنص تكمن في السؤال الذي يطرحه: هل يشعر المواطن العادي بأن القانون يُطبق بالدرجة نفسها على الجميع؟
هذا السؤال ليس مغربياً فقط، بل يمثل أحد أهم التحديات التي تواجه الدول الحديثة. فالثقة في المؤسسات لا تُبنى فقط عبر سن القوانين، وإنما عبر الإحساس الجماعي بأن تلك القوانين تُطبق على القوي والضعيف معاً. وكلما اتسعت الفجوة بين النص القانوني والانطباع الشعبي حول تطبيقه، ازدادت مشاعر الإحباط وفقدان الثقة.
وتكتسب قضية الباعة المتجولين حساسية خاصة في المغرب بسبب ارتباطها المباشر بالتحولات الاقتصادية والاجتماعية. فآلاف الأسر تعتمد على أنشطة غير مهيكلة توفر دخلاً يومياً في ظل معدلات بطالة مرتفعة وصعوبات الولوج إلى فرص الشغل المستقرة. ومن هنا يصبح التعامل الأمني أو الإداري مع هذه الظاهرة جزءاً من معادلة أكبر تتعلق بالسياسات العمومية، والتنمية المحلية، والعدالة المجالية، وخلق البدائل الاقتصادية.
في المقابل، لا يمكن تجاهل أن السلطات العمومية تواجه بدورها تحديات حقيقية مرتبطة بتنظيم الفضاء العام، وحماية الملك العمومي، وضمان انسيابية حركة المواطنين، واحترام القوانين. ولذلك فإن الإشكال لا يكمن في تطبيق القانون من حيث المبدأ، بل في الكيفية التي تجعل تطبيقه مقبولاً اجتماعياً ومفهوماً من طرف المواطنين.
وإذا كان بائع البالونات قد وجد نفسه محاصراً بين رجال السلطة ومياه البحيرة، فإن الصورة التي بقيت عالقة في أذهان كثيرين ليست صورة مخالفة قانونية، بل صورة مواطن يشعر بأنه يواجه منظومة أكبر منه بكثير. وهنا تحديداً تكمن قوة الرمزية التي التقطها أيوب الرضواني في تدوينته.
وتزداد دلالة المشهد عندما يوضع في سياق النقاشات المستمرة حول النموذج التنموي الجديد، ومحاربة الفساد، وتعزيز الحكامة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. فالمجتمعات لا تقيس نجاح السياسات العمومية فقط بحجم الاستثمارات أو المشاريع الكبرى، بل كذلك بقدرتها على إنتاج شعور جماعي بالإنصاف.
لهذا فإن القضية الحقيقية ليست بائع بالونات ولا حتى مطاردة في محيط بحيرة مارتشيكا. القضية الأعمق هي ذلك السؤال الصامت الذي يرافق كل صورة من هذا النوع: هل يشعر المواطن بأن الدولة تملك الحزم نفسه عندما يتعلق الأمر بالمخالفات الصغيرة كما تملكه عندما يتعلق الأمر بالملفات الكبرى؟
ذلك هو السؤال الذي يجعل من صورة عابرة حدثاً سياسياً واجتماعياً، ويجعل من واقعة محدودة مناسبة لإعادة التفكير في معنى العدالة، لا باعتبارها نصوصاً مكتوبة في القوانين، بل باعتبارها شعوراً يومياً يعيشه الناس أو يفتقدونه.
ففي النهاية، لا تُقاس قوة الدول بعدد الدوريات التي تطارد الباعة المتجولين، ولا بعدد البلاغات التي تعلن الحرب على المخالفات الصغيرة، وإنما بقدرتها على إقناع مواطنيها بأن القانون يقف على المسافة نفسها من الجميع. وعندما يصل المجتمع إلى هذه القناعة، تصبح مطاردة بائع بالونات خبراً عادياً. أما عندما تغيب هذه القناعة، فإن صورة رجل يحمل بالونات ملونة قادراً على أن يفتح نقاشاً وطنياً كاملاً حول العدالة والسلطة والثقة ومستقبل العقد الاجتماعي نفسه.