عبد الرحيم فقير… من أوقف أنفاسه؟ حين يتحول تدخل الشرطة إلى محاكمة لقيمة الإنسان

0
101

عبد الرحيم فقير… حين تتحول دقائق التوقيف إلى سؤال عن قيمة الإنسان

لم يكن صباح الأحد 19 يوليوز 2026 يوماً عادياً في مدينة بولونيا الإيطالية. ففي حي “بيلاسترو”، انتهت دقائق معدودة من تدخل أمني إلى نهاية حياة المغربي عبد الرحيم فقير، البالغ من العمر 42 عاماً، بعدما استُدعيت الشرطة إثر بلاغات عن شخص يعيش حالة اضطراب. دقائق فقط كانت كافية لتحويل تدخل وُصف في بدايته بأنه إجراء أمني اعتيادي إلى قضية تتجاوز حدود مدينة إيطالية، لتصبح اختباراً جديداً لعلاقة أوروبا بمهاجريها، ولحدود القوة التي يجوز للدولة استعمالها باسم حفظ النظام.

الرواية الرسمية تقول إن عناصر الشرطة تدخلوا بعد تلقي بلاغات من السكان، وإن الرجل أبدى مقاومة، فاستُعمل رذاذ الفلفل، ثم جرى تقييده بأربطة بلاستيكية قبل أن يتعرض لوعكة صحية انتهت بوفاته. غير أن مقاطع الفيديو التي انتشرت بسرعة على منصات التواصل الاجتماعي، والتي أصبحت بين يدي النيابة العامة، تفتح باباً آخر للأسئلة، إذ تُظهر الرجل وهو يصرخ طالباً النجدة بينما كان مثبتاً أرضاً، قبل أن يخفت صوته تدريجياً إلى أن عمّ الصمت. وقد أعلنت السلطات القضائية فتح تحقيق، مع حجز تسجيلات كاميرات الجسم الخاصة بعناصر الشرطة وإخضاع الجثة للتشريح الطبي لتحديد سبب الوفاة.

وهنا تبدأ “صحافة النظر” من النقطة التي تتوقف عندها الأخبار العاجلة. فالقضية ليست فقط كيف مات عبد الرحيم فقير، بل لماذا أصبح من الممكن أن ينتهي تدخل أمني بهذه الصورة؟ عندما يصبح شخص مقيّد اليدين، وتحت سيطرة كاملة للقوة العمومية، فإن مسؤولية الحفاظ على حياته تنتقل عملياً إلى الجهة التي احتجزته. ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بسبب الوفاة الطبي، بل أيضاً بمدى تناسب القوة المستخدمة، وبكيفية إدارة التدخل، وبالحد الفاصل بين السيطرة الأمنية وحماية الحياة.

اللافت في هذه القضية أن النقاش لم يعد يدور فقط حول تصرف فردي أو خطأ مهني محتمل، بل حول نموذج كامل في إدارة التدخلات الأمنية مع الأشخاص الذين يعيشون حالات اضطراب نفسي أو سلوكي. فالكثير من الخبراء الحقوقيين يميزون بين “السيطرة” و”الرعاية”، وبين تحويل الشخص إلى مصدر تهديد يجب إخضاعه، أو اعتباره إنساناً في أزمة يحتاج أولاً إلى الاحتواء الطبي والإنساني قبل المقاربة الأمنية. وهذه الثنائية تعود اليوم بقوة إلى الواجهة بعد حادثة بولونيا.

والأكثر دلالة أن الفيديو، وليس البلاغ الرسمي، هو الذي أعاد تشكيل الرواية العامة. ففي زمن الصورة، لم تعد المؤسسات تحتكر تفسير الأحداث. أصبحت الكاميرا شاهداً موازياً، وأحياناً منافساً للرواية الرسمية. ولهذا لم يكن مستغرباً أن تتحول القضية خلال ساعات إلى احتجاجات شعبية ومطالب سياسية وحقوقية بكشف الحقيقة كاملة، مع دعوات إلى محاسبة كل من يثبت التحقيق مسؤوليته، أياً كانت صفته.

وتكشف هذه الواقعة أيضاً عن مفارقة مؤلمة يعيشها كثير من المهاجرين. فالمهاجر الذي يساهم في الاقتصاد ويدفع الضرائب ويقضي سنوات طويلة في بلد الاستقبال، يبقى أحياناً هشاً أمام لحظة احتكاك مع السلطة. لذلك فإن وفاة عبد الرحيم فقير أعادت إلى الواجهة نقاشاً أوروبياً قديماً حول التمييز، واستخدام القوة، وآليات الرقابة على عمل الأجهزة الأمنية، وحدود الإفلات من المساءلة عندما تكون الضحية من أصول مهاجرة.

ومن زاوية حقوق الإنسان، يبقى المبدأ واضحاً: اضطراب الشخص، أو مقاومته، أو حالته النفسية، لا يسقط حقه في الحياة ولا في السلامة الجسدية. فالقانون الدولي والمعايير الأوروبية لا تكتفي بمنح الشرطة سلطة التدخل، بل تفرض عليها أيضاً واجب حماية حياة الشخص الذي أصبح تحت سيطرتها. وإذا أثبت التحقيق أن الوفاة ارتبطت بطريقة التثبيت أو باستخدام القوة، فإن النقاش لن يعود أخلاقياً فقط، بل سيأخذ أبعاداً قانونية وقضائية تتعلق بالمسؤولية الفردية والمؤسساتية.

لكن القراءة الأعمق تتجاوز شخص عبد الرحيم فقير نفسه. فهذه القضية تطرح سؤالاً أكبر: هل ما زالت بعض المؤسسات الأمنية في أوروبا تتعامل مع المهاجر بوصفه مواطناً يتمتع بالحماية نفسها التي يتمتع بها غيره، أم أن الصور النمطية والخوف من “الآخر” ما تزال تؤثر، ولو بصورة غير معلنة، في طبيعة التدخلات الميدانية؟ إنه سؤال لا تجيب عنه الشعارات، بل تكشفه الوقائع عندما تتحول دقائق من التوقيف إلى نهاية حياة إنسان.

اليوم، لم يعد الرهان فقط على معرفة السبب الطبي للوفاة، بل على قدرة العدالة الإيطالية على بناء الحقيقة كاملة، بعيداً عن أي تبرير مسبق أو إدانة مسبقة. فالمساءلة القضائية الشفافة وحدها قادرة على حماية ثقة المجتمع في مؤسساته، كما أنها وحدها القادرة على منح أسرة الضحية، والرأي العام، إجابة عن السؤال الذي بقي معلقاً منذ صباح الأحد: كيف انتهى تدخل أمني كان يفترض أن يحمي الحياة إلى واقعة انتهت بفقدانها؟