حين يصبح السائق بوابة الدولة: من يدير الإدارة فعلاً؟

0
141

لم يكن خبر إعفاء سائق كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري من مهامه حدثاً إدارياً عادياً، بقدر ما أعاد إلى الواجهة صورة راسخة في الوعي الجماعي المغربي؛ صورة الإدارة التي لا يبدأ طريقها من المكتب الرسمي، بل من الأشخاص المحيطين بصاحب القرار. فبالنسبة لعدد كبير من المواطنين، لم يكن “البواب” أو “الحارس” أو “السائق” مجرد موظفين يؤدون وظائف تقنية، بل تحولوا، عبر تراكم الممارسات اليومية، إلى حلقات يعتقد كثيرون أنها تتحكم في الوصول إلى المسؤول، وتختزل أحياناً سلطة المؤسسة نفسها. لذلك، فإن أهمية هذا التطور لا تكمن في قرار الإعفاء في حد ذاته، وإنما في الأسئلة العميقة التي يعيد طرحها حول طبيعة العلاقة بين المواطن والإدارة، وحدود السلطة غير الرسمية داخل مؤسسات الدولة.

وتشير المعطيات المتداولة إلى أن القرار جاء بعد فترة وجيزة من إيداع شكاية لدى وكيل الملك بالمحكمة الابتدائية بالرباط، تقدم بها المهني في قطاع الصيد البحري لحسن الحطاب، تضمنت مزاعم تتعلق بطلب مقابل مالي نظير وعود بالتدخل لتسريع معالجة ملف إداري يخص الترخيص بإعادة بناء سفينة صيد. وهي ادعاءات أصبحت موضوع بحث أمام الجهات القضائية المختصة، دون أن يصدر بشأنها أي حكم نهائي، فيما طالب المشتكي بفتح تحقيق شامل والاستماع إلى جميع الأطراف وإخضاع وسائل الإثبات التي أكد توفرها للخبرة التقنية اللازمة. وفي المقابل، لم يصدر أي إعلان رسمي يربط بين قرار إعفاء السائق وبين مضمون الشكاية، الأمر الذي يجعل أي استنتاج في هذا الاتجاه سابقاً لأوانه، ويُبقي جميع المعنيين متمتعين بقرينة البراءة التي يكفلها القانون إلى حين صدور أحكام قضائية نهائية.

غير أن ما يمنح القضية بعدها المجتمعي لا يتعلق فقط بما إذا كانت الوقائع صحيحة أو غير صحيحة، وإنما بما تعكسه من ثقافة إدارية متجذرة. فالمغاربة، عبر عقود طويلة، اعتادوا الاعتقاد بأن الوصول إلى المسؤول الحقيقي يمر أولاً عبر محيطه المباشر؛ السائق، الكاتب الخاص، الحارس، أو حتى موظف الاستقبال. وفي المخيال الشعبي، كثيراً ما يُنظر إلى هؤلاء باعتبارهم أصحاب “المفتاح” الذي يفتح أبواب الإدارة أو يغلقها، بينما يتحول المسؤول الرسمي إلى عنوان بعيد يصعب الوصول إليه مباشرة.

هذه الثقافة لم تولد من فراغ، بل هي نتيجة تراكم تاريخي لبطء المساطر الإدارية، وتعقيد الإجراءات، وضعف قنوات التواصل المباشر بين المواطن والإدارة. وعندما تصبح المؤسسة عاجزة عن تقديم خدمة واضحة وسريعة وشفافة، يبحث المواطن بطبيعته عن طريق مختصر، فينشأ ما يمكن تسميته بـ”اقتصاد الوساطة”، حيث لا تكون القيمة في القانون، بل في القدرة على الوصول إلى من يملك النفوذ، أو من يُعتقد أنه قريب ممن يملكه.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي. فحتى لو لم تثبت الوقائع موضوع الشكاية، فإن مجرد تصديق جزء واسع من الرأي العام لإمكانية وقوعها يكشف أزمة ثقة أعمق من القضية نفسها. فالمواطن لا يتفاعل مع الخبر باعتباره استثناءً، بل باعتباره احتمالاً منسجماً مع صورة ذهنية تكونت لديه عن الإدارة، وهي صورة تعتبر أن السلطة الفعلية لا تُمارس دائماً داخل المكاتب الرسمية، بل أحياناً في الممرات، والسيارات، ومحيط المسؤولين.

ومن الناحية المؤسساتية، تطرح هذه القضية سؤالاً بالغ الحساسية حول الحدود الفاصلة بين الوظيفة التقنية والسلطة غير الرسمية. فالسائق، من حيث القانون، ليست له أي صلاحية لاتخاذ قرار إداري أو التأثير في مسار ملف. وإذا ثبت أن شخصاً يوهم المواطنين بامتلاك هذا النفوذ، فإن الأمر يندرج ضمن أفعال يعاقب عليها القانون. أما إذا تبين أن هذا النفوذ كان يجد سنداً في الواقع، فإن الإشكال يصبح أخطر، لأنه يمس مبدأ المساواة أمام الإدارة ويقوض أسس الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة.

اقتصادياً، لا تقف تداعيات مثل هذه القضايا عند حدود ملف فردي. فالاستثمار، سواء كان صغيراً أو كبيراً، يقوم على عنصرين أساسيين: وضوح القواعد، وسرعة الإجراءات. وكلما شاع الاعتقاد بأن تسريع الملفات يحتاج إلى وسطاء أو علاقات شخصية أو تدخلات غير رسمية، ارتفعت كلفة المعاملات، وتراجعت جاذبية الإدارة، وازداد الشعور بعدم تكافؤ الفرص بين المواطنين والمقاولات.

أما اجتماعياً، فإن أخطر ما تفرزه مثل هذه الوقائع هو تكريس الإحساس بعدم العدالة. فالمواطن الذي ينتظر دوره وفق القانون يشعر بأنه الأقل حظاً، بينما يعتقد أن غيره يستطيع تجاوز المساطر عبر قنوات موازية. ومع مرور الوقت، يتحول احترام القانون إلى خيار غير مجدٍ في نظر البعض، وتصبح “المعرفة” أهم من “الحق”، وهو تحول يضرب في العمق فكرة المواطنة المتساوية.

وفي بعدها الفلسفي، تكشف القضية إشكالية العلاقة بين الدولة كمنظومة قانون، والدولة كما يتصورها المواطن في حياته اليومية. فالدولة الحديثة تُبنى على المؤسسات والإجراءات، بينما تُبنى الدولة التقليدية على الأشخاص وشبكات القرب والوساطة. وكلما تغلبت سلطة الأشخاص على سلطة المؤسسات، ضعفت الثقة في القانون، وأصبح النفوذ الشخصي بديلاً عن الشرعية القانونية.

ومن هنا، فإن الرهان الحقيقي لا يتعلق فقط بكشف حقيقة هذه القضية أمام القضاء، وهو المسار الطبيعي الذي ينبغي احترامه، بل بتحويلها إلى مناسبة لمراجعة آليات تدبير العلاقة بين المسؤولين والمواطنين. فالإدارة التي تعتمد الشفافية الرقمية، وتتبع الملفات إلكترونياً، وتحدد آجالاً ملزمة لمعالجة الطلبات، وتضمن التواصل المباشر مع المرتفقين، تقلص تلقائياً مساحة الوسطاء، وتعيد الاعتبار للمؤسسة بدل الأشخاص.

وفي النهاية، فإن قرار إعفاء السائق، بصرف النظر عن دوافعه التي لم تُعلن رسمياً، لن يكون هو القضية الأساسية في نظر الرأي العام. القضية الأعمق هي ذلك السؤال الذي يرافق المغاربة منذ سنوات: لماذا يعتقد المواطن أن الطريق إلى حقه يمر عبر السائق أو الحارس أو الكاتب الخاص، ولا يمر مباشرة عبر القانون؟ والإجابة عن هذا السؤال لا تصنعها المحاكم وحدها، بل تصنعها أيضاً إدارة حديثة، شفافة، تجعل المواطن يثق بأن حقه تمنحه المؤسسة، لا الأشخاص، وأن الدولة التي تحكمها القواعد لا تحتاج إلى “حراس للأبواب”، لأن أبوابها تكون مفتوحة للجميع على قدم المساواة.