ليست أهمية تصريحات وزير الطاقة والمعادن الأسبق عزيز الرباح في مضمونها وحده، بل في توقيتها أيضاً. فعندما تصدر، قبل أسابيع قليلة من الانتخابات التشريعية، شهادة من عضو سابق في الحكومة تتحدث عن زيارات متكررة كان يقوم بها وزير في الحكومة نفسها إلى مكتبه لمناقشة ملفات مرتبطة بشركة يملكها، فإن الحدث يتجاوز حدود السجال السياسي العادي، ويتحول إلى قضية تمس فلسفة تدبير السلطة، وحدود العلاقة بين القرار العمومي ورأس المال، ومعنى تضارب المصالح داخل الدولة.
ففي الأنظمة الديمقراطية، لا يصبح تضارب المصالح قضية فقط عندما يثبت وقوع مخالفة قانونية، بل بمجرد ظهور وضعية قد تجعل المصلحة الخاصة تتقاطع مع السلطة العمومية، لأن الثقة في المؤسسات تُبنى أيضاً على تجنب الشبهة، وليس فقط على معاقبة الجريمة. ومن هنا، فإن ما كشفه الرباح لا يطرح سؤالاً شخصياً حول شخص بعينه بقدر ما يعيد فتح ملف أكبر يتعلق بكيفية تنظيم العلاقة بين السياسة والمال في المغرب.
ومن هذه الزاوية، فإن أخطر ما حملته تصريحات الرباح ليس قوله إن عزيز أخنوش زاره مرات عدة لمناقشة ملفات تخص شركة “إفريقيا”، ولا حديثه عن تواصل مسؤولي المجموعة الاقتصادية مع الوزارة، وإنما إقراره بأنه كان يذكّر مخاطبيه، في كل مرة، بأن مرجعيته هي تعليمات الملك والدستور والقانون. فهذه العبارة، في القراءة السياسية، ليست مجرد وصف لطريقة تدبيره للوزارة، وإنما توحي بأن الوزير شعر بالحاجة إلى رسم حدود واضحة أمام نفوذ اقتصادي كان يملك، في الوقت نفسه، موقعاً داخل الحكومة.
وهنا تبدأ الطبقة الثانية من التحليل.
فالرباح لم يتهم بشكل صريح بوقوع تدخل غير قانوني، لكنه استخدم لغة سياسية محمّلة بالإيحاءات. وعندما يتحدث وزير سابق عن ضغوط، وعن أسئلة برلمانية استُعملت للتأثير على قرارات وزارته، ثم يرفض الكشف عن الجهات التي كانت وراءها، فإنه يترك الرأي العام أمام نصف الحقيقة؛ وهي أحياناً أخطر من الحقيقة الكاملة، لأنها تفتح المجال أمام الشكوك وتُضعف الثقة في المؤسسات أكثر مما تقدم أجوبة.
ومن الناحية المؤسساتية، تعود القضية لتطرح سؤالاً قديماً يتكرر في التجربة المغربية: هل تكفي النصوص القانونية المنظمة لتضارب المصالح إذا كانت السلطة الاقتصادية قادرة على الوصول المباشر إلى مراكز القرار؟ فالقوانين قد ترسم الحدود، لكن اختبارها الحقيقي يبدأ عندما يكون صاحب المصلحة في الوقت نفسه شريكاً في صناعة القرار السياسي.
إن جوهر الإشكال هنا ليس الزيارات في حد ذاتها؛ فمن الطبيعي أن تستقبل الوزارات المستثمرين والشركات، وأن تفتح أبوابها أمام الفاعلين الاقتصاديين. لكن الأمر يختلف جذرياً عندما يكون المستثمر نفسه وزيراً يجلس داخل المجلس الحكومي، ويشارك في صناعة السياسات العامة، بينما تملك شركاته مصالح مباشرة في القطاع الذي تشرف عليه وزارة زميله. عندها يصبح السؤال مشروعاً حول الحدود الفاصلة بين الصفة العمومية والصفة الخاصة، وبين الدفاع عن الاستثمار المشروع وبين حماية المصالح التجارية.
ولهذا تبدو تصريحات الرباح، حتى وإن جاءت بصيغة هادئة، اعترافاً ضمنياً بأن تلك الحدود لم تكن دائماً واضحة، وأن الحاجة كانت قائمة إلى التأكيد المستمر على الاحتكام للقانون، وهو أمر يكشف، في حد ذاته، حساسية الوضع.
لكن القراءة السياسية لا تتوقف عند مضمون التصريحات، بل تمتد إلى توقيتها.
فلماذا الآن؟
لماذا اختار الرباح الحديث عن هذه الوقائع قبل أسابيع قليلة من الاستحقاقات التشريعية، رغم أن الأحداث تعود إلى سنوات مضت؟
هذا السؤال لا يقل أهمية عن مضمون التصريحات نفسها.
فالتوقيت يمنح الكلام بعداً انتخابياً لا يمكن تجاهله، سواء كان مقصوداً أو مجرد مصادفة. ففي مثل هذه الفترات، تصبح الذاكرة السياسية جزءاً من المعركة الانتخابية، وتتحول الشهادات المتأخرة إلى أدوات لإعادة تشكيل صورة الفاعلين السياسيين أمام الناخبين.
وقد يُقرأ خروج الرباح باعتباره محاولة لإعادة ترتيب السردية السياسية لما جرى داخل الحكومة السابقة، أو مساهمة في النقاش العمومي حول الحكامة وتضارب المصالح، أو حتى رسالة إلى الرأي العام بأن ما كان يُتداول همساً داخل الكواليس أصبح اليوم قابلاً للنقاش العلني.
وفي المقابل، قد يرى آخرون أن التوقيت يطرح بدوره سؤالاً حول أسباب الصمت طوال السنوات الماضية، ولماذا لم تُعرض هذه الوقائع عندما كان صاحبها يمارس المسؤولية، أو عبر القنوات الرقابية والمؤسساتية المختصة.
وهنا يظهر البعد الأخلاقي للمسألة.
ففي الديمقراطيات الحديثة، لا تُقاس المسؤولية السياسية فقط بما يقوله المسؤول بعد مغادرته المنصب، بل أيضاً بما يفعله وهو داخله. لذلك فإن أي شهادة تصدر بعد سنوات تبقى بحاجة إلى استكمال مؤسساتي، إذا كانت تتضمن معطيات يمكن أن تكون ذات صلة بالمصلحة العامة.
أما المواطن، فهو الطرف الذي ينعكس عليه هذا النقاش بصورة مباشرة، حتى وإن بدا بعيداً عن تفاصيله.
ذلك أن المواطن لا يتابع هذه التصريحات بوصفها مجرد خلاف بين سياسيين، بل يربطها بواقعه اليومي: بأسعار المحروقات، وكلفة النقل، وارتفاع الأسعار، وتراجع القدرة الشرائية. وكلما طُرحت أسئلة حول تضارب المصالح في قطاع استراتيجي كقطاع الطاقة، عاد الإحساس الشعبي بأن القرارات الاقتصادية قد لا تكون دائماً منفصلة عن مراكز النفوذ الاقتصادي.
ومن هنا، تتحول القضية من نقاش سياسي إلى قضية ثقة. والثقة هي رأس المال الحقيقي لأي دولة، لأنها تجعل المواطنين يصدقون أن القوانين تُطبق على الجميع، وأن المؤسسات تعمل وفق قواعد واحدة، وأن المنافسة الاقتصادية لا تُحسم بقرب أصحابها من دوائر القرار.
كما تكشف هذه التصريحات عن هشاشة العلاقة بين السياسة والاقتصاد عندما لا تكون قواعد تضارب المصالح واضحة بما يكفي، أو عندما تبقى آليات التصريح بالمصالح والمراقبة البرلمانية والرقابة المؤسساتية عاجزة عن طمأنة الرأي العام.
وفي العمق، لا يتعلق الأمر بشخص أو بحزب، بل بنموذج للحكامة. فكلما ازداد تداخل السلطة الاقتصادية مع السلطة السياسية، ازدادت الحاجة إلى مؤسسات مستقلة، وإلى شفافية أكبر، وإلى قواعد تمنع الشبهة قبل أن تمنع المخالفة.
ويبقى السؤال الأكبر الذي تطرحه تصريحات الرباح هو: هل يكفي أن يؤكد المسؤولون أنهم يحتكمون إلى القانون، أم أن الديمقراطية الحديثة تتطلب أيضاً أن تكون إجراءات منع تضارب المصالح واضحة وشفافة وقابلة للمراقبة والمساءلة؟
إن هذا السؤال هو الذي يمنح هذه التصريحات وزنها الحقيقي، وهو الذي يفسر لماذا لم تعد القضية مجرد رواية عن لقاءات جرت خلف أبواب وزارة، بل تحولت إلى نقاش حول طبيعة الدولة، وحدود السلطة، ومستقبل الثقة بين المواطن والمؤسسات.
وفي النهاية، فإن ما قاله الرباح لا يصدر عن معارض يعلّق من الخارج، بل عن وزير سابق كان جزءاً من الحكومة نفسها. ولهذا، فإن قيمة هذه التصريحات لا تُقاس بقدرتها على إثارة الجدل الإعلامي، وإنما بما تفرضه من أسئلة سياسية ومؤسساتية وقانونية تستحق النقاش العمومي الهادئ، بعيداً عن منطق الاصطفاف، مع التمييز بين الوقائع المصرح بها وبين ما يبقى في نطاق الاستنتاج أو التأويل، احتراماً لقرينة البراءة وللدور الذي تضطلع به المؤسسات المختصة في التحقق من أي ادعاءات إذا اقتضى الأمر.