قبل طي صفحة حكومة أخنوش… هل تعكس أرقام الخزينة تعافي المالية العمومية أم نجاحا مؤجلا بالدين؟

0
78

مع اقتراب العد العكسي لنهاية الولاية الحكومية، لا تبدو الأرقام التي كشفت عنها وزارة الاقتصاد والمالية مجرد حصيلة نصف سنوية لتدبير الميزانية، بل تتحول إلى وثيقة سياسية بامتياز، تحمل في طياتها رواية رسمية تسعى إلى تقديم صورة مطمئنة عن وضعية المالية العمومية قبل دخول البلاد مرحلة انتخابية جديدة. فحين ينخفض عجز الميزانية إلى 24 مليار درهم بعد أن كان 30,8 مليارا قبل سنة، وحين تتراجع حاجيات التمويل إلى النصف تقريباً، فإن القراءة الأولى توحي بأن الخزينة استعادت جزءاً من توازنها. غير أن القراءة الثانية، وهي الأهم، تطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل نحن أمام تحسن هيكلي في الاقتصاد العمومي، أم أمام توازن مالي تحقق بفضل مداخيل استثنائية وجرعات إضافية من الاقتراض؟

في ظاهر الأرقام، تبدو الصورة إيجابية. فقد تمكنت الدولة خلال النصف الأول من سنة 2026 من تحقيق نمو في الموارد بوتيرة أسرع من نمو النفقات، وهو ما انعكس مباشرة على تقليص العجز وتحسين الرصيد العادي للميزانية. لكن هذا التحسن لا يمكن عزله عن طبيعة الموارد التي صنعته. فالقفزة المسجلة في المداخيل الجبائية لا تعني فقط تحسن النشاط الاقتصادي، بل تعكس أيضاً اتساع القاعدة الضريبية وتشديد آليات التحصيل بعد الإصلاحات الضريبية التي باشرتها الدولة خلال السنوات الأخيرة. أي أن الدولة أصبحت أكثر قدرة على تعبئة مواردها، وليس بالضرورة أن الاقتصاد نفسه أصبح أكثر إنتاجاً للثروة.

وهنا تكمن المفارقة الأولى. فالمالية العمومية تحقق نتائج أفضل، بينما ما يزال النقاش العمومي منشغلاً بقدرة الاقتصاد على خلق فرص الشغل وتحسين القدرة الشرائية وتقليص الفوارق الاجتماعية. فالخزينة تجمع أكثر، لكن المواطن لا يشعر بالضرورة بأن دخله يتحسن بالوتيرة نفسها. وبين المؤشرين تكمن واحدة من أكبر الإشكالات التي ستظل مطروحة على أي حكومة مقبلة.

ولا تقف دلالات الأرقام عند حدود الجباية. فالمداخيل غير الضريبية سجلت بدورها ارتفاعاً استثنائياً تجاوز 55 في المائة، مدفوعة بتحويلات المؤسسات والمقاولات العمومية، وفي مقدمتها بنك المغرب والوكالة الوطنية للمحافظة العقارية، إضافة إلى موارد آليات التمويل المبتكرة. وهي معطيات تكشف أن الدولة لجأت إلى تعبئة كل مصادر السيولة الممكنة لتحسين وضعية الخزينة، بما فيها الأرباح التي تحققها المؤسسات العمومية.

غير أن هذا النوع من الموارد يطرح سؤال الاستدامة. فالأرباح المحولة من المؤسسات العمومية ليست مورداً يتكرر بنفس القوة كل سنة، كما أن الاعتماد عليها لا يعوض الحاجة إلى توسيع القاعدة الإنتاجية للاقتصاد الوطني. لذلك فإن جزءاً من التحسن الحالي يظل مرتبطاً بموارد ظرفية أكثر منه بتحول بنيوي دائم.

وفي الجهة المقابلة، تكشف النفقات العمومية أن الدولة لم تنجح بعد في كبح الضغوط البنيوية التي تثقل الميزانية. فارتفاع نفقات التسيير، وزيادة فوائد الدين، واستمرار ارتفاع تكلفة المقاصة، كلها مؤشرات تؤكد أن الإنفاق الجاري ما يزال يستهلك حيزاً كبيراً من الموارد العمومية. بل إن الارتفاع اللافت في فوائد الدين يحمل رسالة أكثر حساسية، مفادها أن كلفة الاقتراض أصبحت بدورها ترتفع، وهو ما يعني أن جزءاً متزايداً من موارد الدولة يذهب إلى خدمة ديون الماضي بدل تمويل مشاريع المستقبل.

ورغم ذلك، اختارت الحكومة الحفاظ على وتيرة مرتفعة للاستثمار العمومي، حيث تجاوزت نفقات الاستثمار 59 مليار درهم خلال ستة أشهر فقط. وهو قرار يحمل بعداً اقتصادياً واضحاً، لأن الدولة تدرك أن الاستثمار العمومي ظل خلال السنوات الأخيرة المحرك الرئيسي للنمو في ظل تباطؤ الاستثمار الخاص. غير أن هذا الخيار يفتح في الوقت نفسه نقاشاً آخر حول مدى قدرة الاستثمار العمومي وحده على إنتاج الثروة وفرص الشغل إذا لم ينجح في جذب استثمارات خاصة موازية.

أما أكثر المؤشرات التي تستحق التوقف عندها فهي تراجع حاجيات التمويل إلى 23,6 مليار درهم، بعد أن كانت تفوق 46 ملياراً قبل سنة. فالقراءة السطحية تعتبر ذلك نجاحاً مالياً، لكن قراءة آليات التمويل نفسها تكشف أن الدولة واصلت اللجوء بقوة إلى الاقتراض، سواء من السوق الداخلية أو من الأسواق المالية الدولية. فقد تجاوز صافي التمويل الخارجي 22,8 مليار درهم، بينها تعبئة كبيرة عبر السوق المالية الدولية.

وهنا تظهر المفارقة الثانية. فالحكومة تحتاج إلى تمويل أقل من السابق، لكنها لم تتخل عن سياسة الاقتراض، بل أعادت توزيع مصادره بين الداخل والخارج في محاولة لتحقيق توازن أفضل بين تكلفة التمويل وآجال السداد. وهذا يعني أن تحسن العجز لا يعني بالضرورة تراجع الاعتماد على الدين، بل قد يعكس فقط تحسناً في كيفية تدبيره.

ومن زاوية أوسع، تبدو هذه الأرقام وكأنها تمثل الفصل المالي الأخير لحكومة عزيز أخنوش قبل دخول البلاد مرحلة سياسية جديدة. فهي تمنح الحكومة مادة قوية للدفاع عن حصيلتها الاقتصادية، خاصة أنها تأتي بعد سنوات اتسمت بتداعيات الجفاف والتضخم والأزمات الدولية. غير أن المعارضة، ومن ورائها جزء من الرأي العام، قد تقرأ الأرقام نفسها بطريقة مختلفة، معتبرة أن تحسين المؤشرات الماكرو اقتصادية لا يغير كثيراً من واقع البطالة وغلاء المعيشة وتآكل القدرة الشرائية.

وهنا تحديداً يتجسد الفرق بين نجاح المالية العمومية ونجاح السياسات العمومية. فقد تستطيع الدولة أن تقلص العجز، لكنها تظل مطالبة بالإجابة عن سؤال أكثر تعقيداً: هل انعكس هذا التحسن على حياة المواطنين؟ وهل أصبح النمو أكثر قدرة على توزيع ثماره، أم أن الأرقام ما تزال تتحسن أسرع من الواقع الاجتماعي؟

لذلك، فإن وضعية الخزينة في منتصف سنة 2026 لا تعلن نهاية الأزمة بقدر ما تعلن انتقالها من معركة ضبط التوازنات المالية إلى معركة أكثر صعوبة، عنوانها تحويل الانضباط المالي إلى تنمية محسوسة يشعر بها المواطن. فالتاريخ الاقتصادي لا يحاكم الحكومات فقط على حجم العجز الذي تركته، بل على الأثر الذي تركته تلك الأرقام في حياة الناس.

وبين خزينة أكثر توازناً، واقتصاد لا يزال يبحث عن نمو أكثر شمولاً وعدالة، يدخل المغرب الأشهر الأخيرة من الولاية الحكومية وهو يحمل سؤالاً سياسياً واقتصادياً مفتوحاً: هل كانت هذه الأرقام بداية تعافٍ حقيقي، أم مجرد أفضل خاتمة ممكنة لولاية مالية نجحت في تحسين الحسابات، بينما ما يزال الامتحان الأصعب ينتظر الاقتصاد خارج دفاتر الخزينة؟