بريطانيا تحظر تجارة المستوطنات الإسرائيلية.. هل بدأت أوروبا تحويل موقفها من تل أبيب إلى ضغط اقتصادي وسياسي؟

0
28
بريطانيا تحظر تجارة المستوطنات الإسرائيلية وتفرض عقوبات على شركات وأفراد يدعمون التوسع الاستيطاني، وسط تحرك فرنسي وكندي وأوروبي لحماية حل الدولتين.
إد ميليباند وزير الخارجية البريطاني - مصدر الصورة: رويترز

لم تعد قضية المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية مجرد ملف دبلوماسي تتكرر بشأنه بيانات الإدانة الأوروبية، بل بدأت تتحول إلى ساحة صدام سياسي واقتصادي مباشر بين إسرائيل وعدد من حلفائها الغربيين.

فقد أعلنت أمس الحكومة البريطانية حزمة إجراءات تستهدف النشاط الاقتصادي المرتبط بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، أبرزها حظر استيراد السلع المنتجة في المستوطنات، وفرض نظام عقوبات جديد يستهدف أفراداً وشركات تقدم خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات التي تسهم في توسع المستوطنات، إضافة إلى حظر الإعلان والترويج داخل بريطانيا للأراضي والعقارات الواقعة في المستوطنات غير القانونية.

الأهمية الحقيقية للقرار لا تكمن في القيمة التجارية المباشرة للسلع المستهدفة فقط، وإنما في التحول الذي يعكسه في فلسفة السياسة البريطانية تجاه الصراع الإسرائيلي الفلسطيني: لندن تقول عملياً إن الاكتفاء بإدانة الاستيطان لم يعد كافياً، وإن حماية حل الدولتين تستوجب فرض تكلفة على النشاط الاقتصادي الذي يساعد على ترسيخ واقع استيطاني دائم.

من الإدانة السياسية إلى العقوبة الاقتصادية

كان الموقف البريطاني حتى وقت قريب أكثر حذراً.

فبحسب مكتبة مجلس العموم البريطاني، كانت لندن تدعو الشركات إلى تجنب النشاط الاقتصادي والمالي في المستوطنات الإسرائيلية غير القانونية، لكنها لم تكن قد فرضت حظراً شاملاً على التجارة معها. وفي يونيو (حزيران) الماضي، شددت الحكومة إرشاداتها التجارية وحذرت الشركات البريطانية صراحة من ممارسة أنشطة اقتصادية أو مالية في المستوطنات، لكنها كانت لا تزال تدرس كيفية تحويل ذلك إلى حظر قانوني فعلي.

قرار شتنبر (سبتمبر/ أيلول) الجاري يمثل إذاً انتقالاً من سياسة التحذير إلى سياسة الإلزام.

وهذه النقلة مهمة لأن الحكومة البريطانية لا تقول إنها تريد مقاطعة إسرائيل كدولة، بل تصر على الفصل بين إسرائيل داخل حدود ما قبل عام 1967 وبين المستوطنات المقامة في الأراضي المحتلة.

وقد أكد إد ميليباند وزير الخارجية البريطاني، أن الإجراءات تستهدف المستوطنات والتوسع الاستيطاني، وليس الشعب الإسرائيلي، كما شدد على أن بريطانيا ستواصل دعم التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر. وقال إنه يعارض حملة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات الشاملة على إسرائيل، لأن هدف الحكومة البريطانية، بحسب طرحه، هو حماية إمكانية قيام دولتين وليس معاقبة إسرائيل ككل.

وهنا تكمن إحدى أهم الرسائل السياسية للقرار: لندن تحاول رسم خط اقتصادي بين إسرائيل والمشروع الاستيطاني.

لماذا جاء القرار الآن؟

يصعب فصل القرار البريطاني عن التطورات المتسارعة في الضفة الغربية خلال الأشهر الأخيرة.

فالحكومة البريطانية، ومعها فرنسا وكندا وعشر دول أخرى في البيان المشترك، ربطت الخطوة بثلاثة تطورات رئيسية: تصاعد عنف المستوطنين، استمرار توسع المستوطنات، ومضي إسرائيل في مشروع E1 شرق القدس.

وفي 19 غشت (أغسطس/ آب) الماضي، طرحت الحكومة الإسرائيلية مناقصة لبناء 1,234 وحدة سكنية في منطقة E1، ضمن مخطط أوسع يصل إلى نحو 3,401 وحدة. ويقع المشروع شرق القدس بين القدس ومستوطنة معاليه أدوميم، وهي منطقة شديدة الحساسية بالنسبة إلى مستقبل التواصل الجغرافي بين أجزاء الضفة الغربية.

ولهذا السبب تحديداً تحول E1 إلى ما يشبه خطاً أحمر دبلوماسياً غربياً.

فالبيان المشترك لـ 12 دولة اعتبر طرح المناقصات أمراً غير مقبول، وقال إن المشروع يهدد حل الدولتين لأنه يمكن أن يشكل فاصلاً جغرافياً داخل الضفة الغربية ويضر بإمكانية قيام دولة فلسطينية متصلة جغرافياً.

كما أصدرت ثماني دول عربية وإسلامية، بينها مصر والسعودية والإمارات والأردن وقطر وتركيا، بياناً في غشت (أغسطس/ آب) رفضت فيه مشروع E1، وحذرت من تغيير الطابع الجغرافي والديموغرافي للأراضي الفلسطينية المحتلة.

بمعنى آخر، لم يعد E1 ملفاً إسرائيلياً فلسطينياً فقط؛ بل تحول إلى اختبار دولي لمستقبل الضفة الغربية نفسها.

لماذا تخشى أوروبا من E1؟

تكمن حساسية E1 في موقعها.

فالمنطقة تقع شرق القدس، وإذا جرى تنفيذ المخططات الاستيطانية فيها على نطاق واسع، فإن ذلك يمكن أن يزيد من صعوبة إقامة ممر جغرافي متصل بين شمال الضفة وجنوبها، كما يربط الكتل الاستيطانية الكبرى حول القدس بصورة أعمق.

ولهذا فإن الدول الغربية لا تنظر إلى المشروع باعتباره مجرد إضافة آلاف الوحدات السكنية، وإنما باعتباره خطوة يمكن أن تخلق واقعاً جغرافياً جديداً يصعب التراجع عنه.

الأمم المتحدة أكدت في تقريرها الصادر في جوان (يونيو/ حزيران) الماضي أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة لا تتمتع بصفة قانونية وفق قرارات مجلس الأمن، وأن التوسع الاستيطاني يمثل عقبة رئيسية أمام حل الدولتين.

وفي ماي (مايو/ أيار)، حذرت مفوضية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان من مخاطر التوسع في منطقة E1 ومن احتمال التهجير القسري لسكان فلسطينيين في المنطقة، مشيرة إلى خطط تشمل آلاف الوحدات الاستيطانية.

البعد القانوني.. ماذا تغير في الموقف البريطاني؟

التحول البريطاني لا يأتي من فراغ قانوني.

ففي يوليوز (يوليو/ تموز) 2024، أصدرت محكمة العدل الدولية رأياً استشارياً بشأن التبعات القانونية للسياسات والممارسات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها القدس الشرقية.

كما كرر مجلس الأمن الدولي في القرار 2334 أن المستوطنات الإسرائيلية في الأراضي الفلسطينية المحتلة منذ 1967، بما فيها القدس الشرقية، لا تتمتع بأي شرعية قانونية وتشكل انتهاكاً للقانون الدولي وعقبة رئيسية أمام حل الدولتين.

لذلك فإن بريطانيا لا تقدم قرارها على أنه تغيير مفاجئ في تعريف قانوني جديد، بل باعتباره ترجمة تجارية لعقيدة قانونية وسياسية كانت موجودة أصلاً ولكنها لم تكن تُطبق بهذه الدرجة من الصرامة.

وهنا تظهر نقطة بالغة الأهمية: وصف ميليباند ما يحدث في أجزاء من الضفة بأنه “تطهير عرقي” يمثل توصيفاً سياسياً بريطانياً شديد الخطورة سياسياً، وليس حكماً قضائياً بريطانياً جديداً يثبت بصورة مستقلة وقوع جريمة محددة بهذا الوصف.

لكن الحكومة البريطانية تربط هذا التوصيف بما تعتبره تزايداً في عنف المستوطنين، والاستيلاء على الأراضي، والتهجير، والدعم السياسي الذي تقدمه أطراف في الحكومة الإسرائيلية للمشروع الاستيطاني.

12 دولة.. بداية جبهة تجارية ضد المستوطنات

اللافت أن بريطانيا لم تتحرك وحدها.

البيان المشترك الذي صدر أمس يضم بريطانيا وكندا وفرنسا والدنمارك وفنلندا وأيسلندا وإيرلندا والنرويج وبولندا والبرتغال وإسبانيا والسويد.

لكن من المهم عدم وضع جميع هذه الدول في خانة واحدة.

فالبيان استخدم صياغة مرنة تسمح لبعض الدول بإدخال قيود وطنية، ولأخرى بدعم قيود أوروبية، ولأخرى بالنظر بجدية في إجراءات مماثلة وفق إجراءاتها الوطنية. ولذلك فإن القرار السياسي الجماعي لا يعني أن نظاماً جمركياً موحداً دخل حيز التنفيذ فوراً في الدول الـ 12.

وفي المقابل، كانت إيرلندا وإسبانيا وهولندا والنرويج وبلجيكا قد اتخذت بالفعل أو بدأت اتخاذ إجراءات لتقييد تجارة مرتبطة بالمستوطنات، وفق هيومن رايتس ووتش.

وهذا يعني أن ما يحدث ليس قراراً منفرداً، بل تراكم تدريجي لشبكة أوروبية من الإجراءات التي تفصل اقتصاد المستوطنات عن الاقتصاد الإسرائيلي الأوسع.

هل تستطيع العقوبات فعلاً إيلام إسرائيل اقتصادياً؟

هنا يجب التمييز بين الأثر التجاري المباشر والأثر السياسي.

من الناحية الاقتصادية البحتة، فإن حظر السلع القادمة من المستوطنات لن يوجه ضربة كبيرة إلى الاقتصاد الإسرائيلي ككل.

فالتجارة البريطانية مع إسرائيل بلغت نحو 6 مليارات جنيه إسترليني في 2025، بينما قدرت مكتبة مجلس العموم البريطاني تجارة المملكة المتحدة مع الأراضي الفلسطينية المحتلة بنحو 38 مليون جنيه فقط، مع الإقرار بصعوبة فصل أرقام المستوطنات تحديداً بسبب الاتحاد الجمركي مع إسرائيل.

لذلك سيكون من المبالغة القول إن القرار يمثل “عقوبات اقتصادية على إسرائيل” بالمعنى التقليدي.

لكن هذا لا يعني أنه بلا تأثير.

فالمغزى الاقتصادي الحقيقي يكمن في رفع تكلفة الاستثمار في المستوطنات.

عندما تقول بريطانيا إنها ستلاحق شركات وأفراداً يقدمون خدمات البناء والبنية التحتية والتمويل والعقارات التي تسهم في توسع المستوطنات، فإنها لا تستهدف فقط السلعة النهائية الموجودة على رف متجر بريطاني، وإنما تستهدف سلسلة القيمة التي تجعل التوسع الاستيطاني ممكناً.

وهذه نقطة أكثر أهمية من حجم الواردات ذاته.

من المنتجات إلى التمويل والبنية التحتية

المرحلة الجديدة من السياسة البريطانية قد تكون أكثر تأثيراً إذا تحولت العقوبات من مجرد منع السلع إلى استهداف الشركات الوسيطة.

فشركة بناء تشارك في مشروع استيطاني، أو مؤسسة مالية تمول توسعة، أو شركة عقارية تسوق الأراضي، قد تجد نفسها معرضة لعقوبات بريطانية مباشرة.

وهنا ينتقل الضغط من المستهلك إلى المستثمر.

وبمرور الوقت يمكن أن يصبح السؤال بالنسبة إلى الشركات العالمية: هل يستحق الاستثمار في مشروع استيطاني المخاطرة بالتعرض لعقوبات في لندن وربما في عواصم أوروبية أخرى؟

إذا اتسعت دائرة الدول التي تتبنى هذا المنطق، فقد يصبح النشاط الاستيطاني أكثر تكلفة بالنسبة إلى الشركات الدولية حتى من دون فرض عقوبات شاملة على إسرائيل.

حظر الإعلان.. خطوة رمزية لكنها سياسية بامتياز

من أكثر الإجراءات البريطانية دلالة قرار حظر الإعلان داخل بريطانيا عن الأراضي والعقارات في المستوطنات.

قد يبدو هذا الإجراء صغيراً اقتصادياً، لكنه يحمل رسالة سياسية واضحة: لندن لا تريد أن تتحول أراضي الضفة الغربية المحتلة إلى منتج عقاري طبيعي داخل السوق البريطانية.

ميليباند أشار إلى أن بريطانيا شهدت فعاليات للترويج لبيع أراضٍ في مستوطنات غير قانونية، وقال إن الحكومة تريد منع تكرار ذلك.

وهذا يعكس تحولاً من مجرد تنظيم التجارة إلى محاولة منع تطبيع المشروع الاستيطاني داخل المجال الاقتصادي والثقافي البريطاني.

إسرائيل ترد: أزمة دبلوماسية تتجاوز التجارة

رد إسرائيل كان سريعاً وقاسياً.

وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر أعلن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية، وإنهاء مشاركة بريطانيا في مهمة تنسيق تقودها الولايات المتحدة بشأن غزة، ووقف التدريب البريطاني لقوات الأمن التابعة للسلطة الفلسطينية، إضافة إلى منع 12 بريطانياً من دخول إسرائيل.

كما وصف ساعر الموقف البريطاني بأنه “مشوه أخلاقياً” وتدخلاً في الشؤون الداخلية الإسرائيلية، ورفض اتهامات ميليباند بشأن التطهير العرقي بوصفها أكاذيب.

لكن اللافت أن الرد الإسرائيلي كان موجهاً بشكل أكبر إلى بريطانيا، رغم أن فرنسا وكندا أعلنتا أيضاً إجراءات ضد بضائع المستوطنات.

وهذا قد يعكس إدراكاً إسرائيلياً بأن بريطانيا، بحكم موقعها السياسي والتاريخي وعلاقاتها الأمنية والدبلوماسية، أكثر حساسية من الناحية الرمزية.

كما أن إغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية ليس مجرد إجراء بروتوكولي؛ فالقنصلية تؤدي دوراً مهماً في التعامل مع الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، وبالتالي فإن إغلاقها يضيف طبقة جديدة من التوتر إلى العلاقة الثنائية.

لماذا تركز بريطانيا على المستوطنات ولا تقاطع إسرائيل كلها؟

هذا هو جوهر السياسة البريطانية الجديدة.

فالحكومة تحاول السير على خط دقيق بين اتجاهين متناقضين:

الأول هو الضغط على الحكومة الإسرائيلية والمشروع الاستيطاني.

والثاني هو الحفاظ على علاقة سياسية وأمنية مع إسرائيل وعدم الانزلاق إلى مقاطعة شاملة يمكن أن تعتبرها لندن تقويضاً لأمن إسرائيل أو تغذية لحركة BDS.

ولهذا شدد ميليباند على استمرار التجارة مع إسرائيل داخل الخط الأخضر، مؤكداً أن الهدف هو المستوطنات لا إسرائيل ككل.

وبهذا تحاول بريطانيا إنتاج نموذج جديد يمكن وصفه بـ: “الضغط على الاحتلال مع الإبقاء على العلاقة مع الدولة”. وهو نموذج قد يصبح أكثر انتشاراً في أوروبا خلال المرحلة المقبلة.

ماذا يعني ذلك لمستقبل حل الدولتين؟

المفارقة الكبرى أن بريطانيا والدول الـ 11 الأخرى لا تقدم إجراءاتها باعتبارها بديلاً عن حل الدولتين، بل باعتبارها وسيلة لإنقاذه.

وهذا يعني أن هذه الحكومات باتت تنظر إلى التوسع الاستيطاني باعتباره ليس مجرد ملف تفاوضي يمكن تركه للمفاوضات النهائية، وإنما عاملاً قد يغير الواقع على الأرض إلى درجة تجعل المفاوضات المستقبلية عديمة الجدوى.

وهذه النقطة تظهر بوضوح في البيان الثلاثي لبريطانيا وفرنسا وكندا، الذي وصف التوسع الاستيطاني المنهجي في الضفة ومشروع E1 تحديداً بأنه تهديد مباشر وعاجل لرؤية الدولتين.

بمعنى آخر، بدأت بعض الدول الغربية تتعامل مع الاستيطان باعتباره سياسة يجب منعها، لا مجرد سياسة يجب انتقادها.

وهذا تحول جوهري.

هل نحن أمام بداية عقوبات أوروبية أوسع؟

السيناريو الأكثر أهمية ليس الحظر البريطاني في حد ذاته، وإنما احتمال أن يتحول إلى نموذج.

إذا توسعت القيود من السلع إلى التمويل والعقارات والبنية التحتية، وإذا تبنتها دول أوروبية إضافية، فإن المخاطر على الشركات المرتبطة بالمستوطنات سترتفع.

أما السيناريو الأكثر حساسية فهو أن تنتقل المناقشة مستقبلاً إلى مستوى الاتحاد الأوروبي نفسه.

وهنا ستظهر عقبة سياسية كبيرة، لأن فرض سياسة أوروبية موحدة يتطلب توافقاً بين دول أعضاء تختلف مواقفها من إسرائيل بصورة حادة.

لكن التحالف الحالي يوضح أن الفجوة بين موقف إسرائيل وعدد متزايد من الحكومات الأوروبية تتسع.

واشنطن.. الحلقة المفقودة في الضغط الغربي

غياب الولايات المتحدة عن هذه الخطوة يظل عاملاً حاسماً.

فواشنطن لم تنضم إلى الحظر البريطاني والأوروبي، وهو ما يقلل كثيراً من احتمال تحول الإجراءات الحالية إلى ضغط اقتصادي شامل على إسرائيل.

لكن الأهم أن الخلاف الغربي لم يعد يدور فقط بين إسرائيل وأوروبا، بل بدأ يظهر أيضاً داخل المعسكر الغربي نفسه.

فإذا استمرت لندن وباريس وأوتاوا في تطوير عقوبات مرتبطة بالمستوطنات، بينما ترفض واشنطن اتخاذ خطوات مماثلة، فقد يصبح الشرق الأوسط أمام انقسام غربي واضح بشأن كيفية التعامل مع حكومة بنيامين نتنياهو.

وهذا قد يمنح إسرائيل مساحة للمناورة، لكنه في الوقت ذاته يضعف قدرة الغرب على تقديم موقف موحد تجاه مستقبل الضفة الغربية.

بريطانيا لا تعاقب المستوطنات فقط.. بل تعيد تعريف العلاقة مع إسرائيل

الأثر المباشر لحظر السلع القادمة من المستوطنات سيكون محدوداً نسبياً بالنظر إلى حجم التجارة البريطانية مع إسرائيل.

لكن اختزال القرار في أثره التجاري سيكون خطأً تحليلياً.

المعركة الحقيقية هي على شرعية النشاط الاستيطاني وتكلفة تمويله وتسويقه وتوسيعه.

فبريطانيا انتقلت من تحذير الشركات إلى تهديد الشركات بالعقوبات، ومن إدانة الاستيطان إلى منع السلع، ومن رفض مشروع E1 إلى محاولة تجفيف بعض البنية الاقتصادية التي تدعم التوسع، ومن البيانات الدبلوماسية إلى إجراءات يمكن أن تترك أثراً قانونياً ومالياً على شركات وأفراد.

وفي المقابل، ردت إسرائيل بإجراءات دبلوماسية غير مسبوقة تجاه بريطانيا، ما يؤكد أن المسألة تجاوزت حدود التجارة لتصبح أزمة ثقة استراتيجية بين حليفين تاريخيين.

والسؤال الأكبر الآن ليس ما إذا كانت بريطانيا ستمنع بعض صناديق المنتجات القادمة من المستوطنات، وإنما: هل تستطيع لندن وباريس وأوتاوا تحويل هذه الخطوة إلى بداية لنظام دولي جديد يفرض تكلفة فعلية على المشروع الاستيطاني، أم ستبقى مجرد إشارة سياسية قوية محدودة الأثر اقتصادياً؟

الإجابة ستتحدد خلال الأشهر المقبلة، خصوصاً مع اقتراب الانتخابات الإسرائيلية، وتواصل الدفع بمشروع E1، واحتمال انتقال الإجراءات من حظر السلع إلى استهداف التمويل والبنية التحتية والشركات العالمية التي تشارك في توسعة المستوطنات.

وإذا حدث ذلك، فإن القرار البريطاني الصادر في الثلاثاء – 8 شتنبر (سبتمبر/ أيلول) 2026 الجاري، قد يُنظر إليه لاحقاً ليس باعتباره مجرد عقوبة تجارية، بل باعتباره نقطة تحول في الطريقة التي تتعامل بها بعض الدول الغربية مع الاحتلال والاستيطان: من سياسة الإدانة إلى سياسة فرض التكلفة.