من الساحل إلى الداخل المغربي… كيف تحولت تهديدات “داعش” إلى معركة استباقية لحماية الدولة والمجتمع؟

0
134

لم يعد الإرهاب بالنسبة إلى المغرب مجرد خطر يأتي من وراء الحدود، بل أصبح تحدياً متغيراً يعيد تشكيل نفسه كلما تغيرت الجغرافيا الأمنية في المنطقة. وبينما تتسارع التحولات في منطقة الساحل الأفريقي، حيث تنشط جماعات متطرفة مستفيدة من هشاشة بعض الدول واتساع المساحات الخارجة عن الرقابة، يجد المغرب نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً: كيف يحافظ على أمنه الداخلي في بيئة إقليمية تتزايد فيها مصادر التهديد وتتداخل فيها الشبكات العابرة للحدود؟

في هذا السياق، جاء إعلان المكتب المركزي للأبحاث القضائية عن إحباط مخططات إرهابية وصفها بأنها “بالغة الخطورة” لتؤكد أن الحرب ضد التطرف لم تعد تقتصر على ملاحقة أفراد يحملون أفكاراً متشددة، وإنما أصبحت مواجهة مع شبكات منظمة تمتلك وسائل اتصال وتنسيق وتوجيه تتجاوز الحدود الوطنية، وترتبط بامتدادات تنظيم “داعش” في منطقة الساحل الأفريقي.

العملية الأمنية، التي نُفذت بشكل متزامن في عدد من المدن المغربية، لم تكن مجرد حملة توقيف اعتيادية، بل عكست مستوى عالياً من التنسيق الاستخباراتي والجاهزية العملياتية. فتنفيذ تدخلات متزامنة في مدن متباعدة جغرافياً يوحي بأن الأجهزة الأمنية كانت تتعامل مع شبكة مترابطة، وأن عنصر المفاجأة كان جزءاً أساسياً من نجاح العملية، لمنع أي محاولة للهروب أو إخفاء الأدلة أو تسريع تنفيذ أي مخطط محتمل.

ووفق المعطيات التي أعلنها المكتب المركزي للأبحاث القضائية، فإن التحقيقات الأولية تشير إلى أن المشتبه فيهم أعلنوا مبايعتهم لتنظيم “داعش”، وتلقوا توجيهات مباشرة من فرع التنظيم بمنطقة الساحل لتنفيذ هجمات داخل المغرب. وإذا أكدت التحقيقات القضائية هذه المعطيات، فإنها تعكس تطوراً مهماً في طبيعة التهديد، إذ لم يعد الأمر مرتبطاً بمتعاطفين يتحركون بشكل فردي، وإنما بعلاقات تنظيمية تمتد خارج الحدود الوطنية.

وما يزيد من خطورة المؤشرات التي كشفتها العملية، بحسب البيان الرسمي، هو طبيعة الوسائل التي جرى حجزها. فالعثور على وثائق تتعلق بصناعة العبوات الناسفة، ومواد كيميائية، وأسلحة بيضاء، وأزياء عسكرية، إضافة إلى أجهزة رقمية، يرسم صورة لمرحلة إعداد وتجهيز تتجاوز مجرد تبني الفكر المتطرف، لتدخل في نطاق التحضير العملي لعمليات عنيفة تستهدف الأمن العام.

ومن بين أكثر المعطيات إثارة للانتباه، ما أُعلن بشأن ضبط سيارة رباعية الدفع جرى تعديل نظام تشغيلها داخل ورشة سرية لتعمل بغاز البوتان، مع الاشتباه في إعدادها لاستخدامها في عملية تفجير انتحارية أو هجوم ضد منشآت وأهداف حساسة. كما أشار البيان إلى العثور على أسطوانات غاز وأواني ضغط، بعضها مملوء بالمسامير وبعضها موصول بأسلاك كهربائية، وهي معطيات تعكس، بحسب السلطات، مستوى متقدماً من الإعداد التقني للمخطط المفترض.

غير أن القراءة الأمنية لا ينبغي أن تتوقف عند تفاصيل المحجوزات وحدها، لأن القضية تطرح سؤالاً أوسع يتعلق بالتحولات التي يعرفها تنظيم “داعش” بعد خسارته لمعاقله التقليدية في المشرق. فقد دفعت الضربات العسكرية التي تعرض لها التنظيم إلى إعادة توزيع نشاطه نحو مناطق أكثر هشاشة، وفي مقدمتها منطقة الساحل، التي أصبحت خلال السنوات الأخيرة إحدى أكثر بؤر النشاط الإرهابي تعقيداً في أفريقيا، بفعل تداخل النزاعات المسلحة، وضعف مؤسسات الدولة في بعض المناطق، واتساع الفضاءات غير الخاضعة للرقابة.

هذا الواقع يجعل المغرب معنياً بصورة مباشرة بما يجري جنوب حدوده، ليس فقط بحكم القرب الجغرافي، وإنما أيضاً بسبب الترابط الأمني المتزايد بين شمال أفريقيا ومنطقة الساحل، حيث لم تعد الحدود التقليدية تشكل عائقاً أمام انتقال الأفكار المتطرفة أو شبكات التجنيد أو وسائل التمويل أو تقنيات الاتصال الحديثة.

كما تعيد هذه القضية إلى الواجهة تحدياً آخر لا يقل أهمية، وهو خطر الاستقطاب الرقمي. فالتنظيمات المتطرفة لم تعد تعتمد فقط على اللقاءات المباشرة أو المعسكرات التقليدية، بل أصبحت تستثمر بشكل متزايد في الفضاء الإلكتروني لنشر خطابها، واستقطاب عناصر جديدة، وتقديم توجيهات عملياتية عن بعد، الأمر الذي يجعل المواجهة الأمنية مرتبطة أيضاً بالحرب على الدعاية الرقمية وخطابات الكراهية والتطرف.

وتبرز أهمية المقاربة المغربية في هذا المجال من خلال اعتمادها، على مدى السنوات الماضية، على استراتيجية تجمع بين العمل الاستخباراتي الاستباقي، والتنسيق القضائي، والتعاون الدولي، إلى جانب برامج الوقاية الفكرية وإعادة التأهيل. وقد ساهم هذا النهج، بحسب المعطيات الرسمية، في تفكيك عشرات الخلايا المتطرفة منذ تأسيس المكتب المركزي للأبحاث القضائية سنة 2015، مع توقيف أكثر من ألف مشتبه فيه في قضايا مرتبطة بالتطرف والإرهاب.

وفي المقابل، فإن استمرار محاولات استهداف المغرب يؤكد أن النجاحات الأمنية، مهما بلغت أهميتها، لا تعني نهاية التهديد. فالتنظيمات الإرهابية بطبيعتها تتكيف مع الضغوط، وتغير أساليبها، وتبحث باستمرار عن ثغرات جديدة، وهو ما يفرض استمرار تطوير القدرات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون الإقليمي والدولي، وتحصين المجتمع ضد خطاب التطرف، باعتبار أن الأمن يبدأ من حماية الإنسان كما يبدأ من حماية الحدود.

وفي نهاية المطاف، تكشف هذه العملية أن الإرهاب لم يعد مجرد ملف أمني يُدار في غرف التحقيق، بل أصبح تحدياً يمس الأمن الوطني بمفهومه الشامل، ويختبر قدرة الدولة على الجمع بين اليقظة الأمنية، والعدالة، وسيادة القانون، والوقاية الفكرية. وبين نجاح الأجهزة في إحباط المخططات، واستمرار التنظيمات المتطرفة في البحث عن موطئ قدم جديد، تبقى معركة الأمن معركة مفتوحة، عنوانها الدائم أن الاستباق يظل أقل كلفة من مواجهة نتائج أي هجوم بعد وقوعه.