سفارة المغرب بباريس: تدنيس العلم الوطني لن يمر… والمتورطون إلى القضاء

0
105

لم تعد بعض مباريات كرة القدم الكبرى تنتهي مع إطلاق الحكم صافرة النهاية، بل تبدأ بعدها مباراة أخرى أكثر تعقيداً، تدور خارج الملاعب، في الشوارع والأحياء التي تتقاطع فيها الهويات والانتماءات والجاليات. وما وقع بمدينة أوبيرفيلييه، بضواحي باريس، عقب المباراة التي جمعت المنتخب المغربي بنظيره الكندي ضمن منافسات كأس العالم 2026، أعاد إلى الواجهة سؤالاً يتجاوز الرياضة نفسها: كيف يمكن لحدث رياضي أن يتحول إلى فضاء للتوترات الاجتماعية والسياسية، وأن يضع قيم التعايش والاحترام أمام اختبار حقيقي؟

في هذا السياق، أعلنت سفارة المملكة المغربية بفرنسا أنها تقدمت بشكاية إلى السلطات الفرنسية، بعد تداول تسجيلات مصورة توثق، بحسب البلاغ، اقتلاع العلم المغربي وتمزيقه وإحراقه في الفضاء العام، إلى جانب مقاطع أخرى تظهر تعرض نساء كن يرتدين قميص المنتخب المغربي، وبرفقتهن أطفال، لاعتداءات لفظية ومحاولات للاستفزاز. وترى السفارة أن هذه الوقائع تمثل اعتداءً على رمز من رموز سيادة الدولة، كما تمس مشاعر أفراد الجالية المغربية وكل من يتمسك بقيم الاحترام والتعايش.

غير أن القضية، في بعدها الأعمق، لا تقف عند حدود العلم بوصفه قطعة قماش، بل عند رمزيته السياسية والوطنية. فالأعلام بالنسبة للدول ليست مجرد شعارات بصرية، وإنما تمثل السيادة والانتماء والذاكرة الجماعية، ولذلك فإن الاعتداء عليها يتحول سريعاً إلى قضية تتجاوز الأشخاص الذين قاموا بالفعل، لتلامس العلاقات بين الجاليات، وتثير نقاشاً قانونياً وسياسياً داخل الدولة التي وقع فيها الحادث.

ومن زاوية أخرى، تطرح هذه الأحداث تساؤلات حول قدرة المجتمعات الأوروبية متعددة الثقافات على حماية فضاءات الاحتفال الرياضي من الانزلاق نحو خطابات الكراهية والاستفزاز. فالملايين الذين تابعوا مباريات كأس العالم كانوا ينتظرون أن تكون كرة القدم مناسبة للاحتفال والتقارب بين الشعوب، لا سبباً في استحضار الخصومات أو تصديرها إلى الشارع الأوروبي.

وفي الوقت نفسه، فإن تداول مقاطع فيديو عبر وسائل التواصل الاجتماعي يجعل أي حادثة محلية قابلة للتحول خلال دقائق إلى قضية رأي عام عابرة للحدود. وهذا ما يضاعف مسؤولية المؤسسات الرسمية ووسائل الإعلام معاً؛ فالأولى مطالبة بالتحقيق وتطبيق القانون، والثانية مطالبة بنقل الوقائع بدقة، بعيداً عن التعميم أو تأجيج المشاعر أو تحميل المسؤولية لجماعات بأكملها بسبب أفعال أفراد، لأن المسؤولية القانونية تظل فردية ما لم تثبت التحقيقات خلاف ذلك.

كما تفتح هذه التطورات نقاشاً حول الدور الذي ينبغي أن تؤديه الدبلوماسية في حماية مواطنيها ورموزها الوطنية خارج الحدود. فاللجوء إلى القضاء والمؤسسات المختصة يعكس اعتماد المسار القانوني لمعالجة مثل هذه الوقائع، ويؤكد أن مواجهة أعمال الكراهية أو الاعتداء على الرموز الوطنية يجب أن تتم عبر مؤسسات الدولة وسيادة القانون، وليس عبر ردود أفعال متبادلة قد تزيد من حدة الاحتقان.

وفي المقابل، يبقى الرهان الأكبر هو حماية الجاليات من أن تصبح رهينة للتوترات العابرة. فالغالبية الساحقة من أبناء الجاليات المغاربية في فرنسا تربطهم علاقات اجتماعية وإنسانية ومهنية يومية، ولا ينبغي أن تتحول تصرفات أفراد إلى مصدر لزرع الشك أو العداء بين مكونات تعيش في الأحياء نفسها، وتواجه تحديات مشتركة تتعلق بالاندماج والاستقرار والعيش المشترك.

وهكذا، فإن ما وقع بعد مباراة المغرب وكندا لا ينبغي أن يُقرأ باعتباره حادثاً معزولاً مرتبطاً بكرة القدم فقط، بل باعتباره مؤشراً على هشاشة التوازن بين الحماس الرياضي واحترام القانون، وبين حرية التعبير وخطاب الكراهية، وبين الانتماء الوطني وواجب احترام رموز الآخرين. وهي معادلة ستظل مطروحة بقوة كلما تحولت المنافسة الرياضية من مناسبة للاحتفال إلى ساحة لتصفية توترات لا علاقة لها بالرياضة نفسها.