بعد شطب المهداوي ومرشحين آخرين… هل بدأت معركة شرعية الانتخابات قبل أن تبدأ الانتخابات نفسها؟

0
79

قبل صناديق الاقتراع… هل بدأت معركة الشرعية الانتخابية مبكراً؟

لم ينتظر تحالف اليسار انطلاق الحملة الانتخابية حتى يفتح أولى معارك الاستحقاقات التشريعية المقبلة، بل اختار أن يبدأ من النقطة الأكثر حساسية في أي عملية ديمقراطية: اللوائح الانتخابية. فإعلانه عن تعرض عدد من قياداته ومرشحيه ومناضليه لعمليات تشطيب من هذه اللوائح لم يكن مجرد تسجيل لاعتراض إداري، بقدر ما كان محاولة لوضع سؤال الثقة في المسار الانتخابي برمته على طاولة النقاش العمومي.

ففي الخطاب السياسي، غالباً ما تكون المعركة الأولى هي معركة السردية. ومن ينجح في صياغة الرواية الأولى، يمتلك أفضلية معنوية قبل بدء المنافسة الفعلية. ولذلك يبدو بيان التحالف أقرب إلى بناء رواية سياسية متكاملة منه إلى مجرد عرض وقائع متفرقة، إذ يربط بين حالات التشطيب الفردية وبين صورة أشمل يعتبر أنها تعكس اختلالات بنيوية في الإعداد للانتخابات المقبلة.

وتزداد أهمية هذا الخطاب لأن الأسماء التي تحدث عنها التحالف لا تقتصر، وفق روايته، على مناضلين محليين أو مرشحين مغمورين، بل تشمل قيادات وطنية وأعضاء في الأجهزة السياسية للحزبين. وهنا تتحول القضية من نزاع إداري حول تسجيل ناخبين إلى رسالة سياسية مفادها أن الأمر، من وجهة نظر التحالف، لا يتعلق بأخطاء تقنية معزولة، وإنما بما يراه مؤشرات تستوجب مساءلة المناخ الذي تُجرى فيه الاستعدادات للاستحقاقات المقبلة.

غير أن القراءة المتأنية للبيان تكشف أن التحالف لا يوجه اتهاماً مباشراً إلى جهة بعينها بقدر ما يسعى إلى بناء سلسلة من الأسئلة السياسية. فهو يستخدم عبارات مثل “يثير التساؤلات”، و”يثير المخاوف”، و”قد يفتح المجال”، وهي لغة لا تقدم حكماً قضائياً، لكنها تدفع الرأي العام إلى التفكير في احتمالات يعتبرها أصحاب البيان جديرة بالنقاش. وهذه إحدى أدوات الخطاب السياسي عندما يرغب في توسيع دائرة الجدل دون الانتقال إلى مستوى الاتهام الذي يحتاج إلى إثبات قانوني.

وفي العمق، لا يبدو أن جوهر الخلاف يدور حول أسماء جرى التشطيب عليها بقدر ما يتعلق بمن يمتلك حق رسم قواعد اللعبة الانتخابية. ولذلك أعاد التحالف فتح ملف قديم يتصل بطريقة إعداد اللوائح الانتخابية، منتقداً استمرار عدم اعتماد البطاقة الوطنية كأساس للتسجيل التلقائي، معتبراً أن هذا الاختيار، بحسب رؤيته، يترك هامشاً يمكن أن يؤدي إلى اختلالات تمس حق المواطنين في التسجيل والمشاركة السياسية.

وهنا ينتقل الخطاب من معالجة واقعة محددة إلى مساءلة البنية القانونية والتنظيمية نفسها. فالتحالف لا يكتفي بالحديث عن نتائج يعتبرها مقلقة، بل يربطها بإطار قانوني يرى أنه لم يعد قادراً، وفق تقديره، على توفير الضمانات الكاملة لانتخابات حرة ونزيهة وشفافة. وبهذا ينتقل النقاش من الأشخاص إلى المؤسسات، ومن الحالات الفردية إلى قواعد النظام الانتخابي.

وفي الوقت نفسه، يحمل البيان بعداً استباقياً واضحاً. فإعلان تشكيل لجنة مشتركة لتجميع ملفات التشطيب ودراسة اللجوء إلى الإجراءات القانونية والقضائية لا يبدو مجرد رد فعل على ما وقع، بل يمثل أيضاً رسالة سياسية مفادها أن التحالف يسعى إلى نقل المعركة من المجال الإعلامي إلى المجال المؤسساتي، بما يسمح له بتوثيق كل حالة وبناء ملف قانوني يمكن الاستناد إليه مستقبلاً إذا استمرت هذه الوقائع أو اتسعت دائرتها.

لكن القراءة المقابلة تفرض بدورها أسئلة لا تقل أهمية. فعمليات التشطيب من اللوائح الانتخابية قد تتم أيضاً في إطار تطبيق المقتضيات القانونية المنظمة للعملية الانتخابية، إذا توافرت أسباب قانونية منصوص عليها. ومن ثم، فإن الحسم في كل حالة يظل رهيناً بالتحقق من الأساس القانوني الذي استندت إليه الإدارة، وما إذا كانت الإجراءات قد احترمت الضمانات القانونية وفتحت المجال للطعن أمام القضاء المختص. ولذلك تبقى الوقائع محل نقاش قانوني وسياسي إلى أن تُبت فيها عبر المساطر والمؤسسات المختصة.

ومن زاوية أوسع، يكشف توقيت البيان أن الاستحقاقات المقبلة بدأت عملياً قبل موعدها الرسمي. فالصراع لم يعد يقتصر على البرامج أو التحالفات أو استقطاب الناخبين، بل أصبح يمتد إلى النقاش حول شروط المنافسة نفسها. وعندما تتحول قواعد اللعبة إلى موضوع للخلاف قبل انطلاقها، فإن ذلك يعني أن الانتخابات المقبلة لن تكون فقط منافسة على المقاعد البرلمانية، وإنما أيضاً منافسة على تعريف معنى النزاهة الانتخابية وحدود الثقة في المؤسسات المشرفة عليها.

وفي هذا السياق، تبدو الرسالة الأعمق التي يسعى التحالف إلى ترسيخها هي أن الديمقراطية لا تُقاس فقط بما يحدث يوم الاقتراع، وإنما تبدأ منذ إعداد اللوائح الانتخابية، ومروراً بضمان تكافؤ الفرص، ووصولاً إلى قدرة جميع الفاعلين السياسيين على خوض المنافسة في ظروف يعتبرونها متساوية. وفي المقابل، يبقى على المؤسسات المعنية، في إطار اختصاصاتها القانونية، أن تقدم ما يلزم من توضيحات وضمانات كلما أثيرت مثل هذه القضايا، لأن تعزيز الثقة في الانتخابات لا يتحقق فقط بسلامة النتائج، بل أيضاً بسلامة المسار الذي يقود إليها.

وهكذا، فإن بيان تحالف اليسار يتجاوز حدود الاحتجاج على حالات تشطيب بعينها، ليطرح سؤالاً سياسياً أكبر سيظل حاضراً حتى موعد الاقتراع: هل ستكون المنافسة المقبلة معركة بين الأحزاب على أصوات الناخبين، أم معركة موازية حول القواعد التي تُدار بها العملية الانتخابية نفسها؟ ففي كثير من الأحيان، تبدأ أهم معارك الديمقراطية قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، لأنها تُخاض أولاً حول الثقة، ثم حول الشرعية، وبعد ذلك فقط حول النتائج.