رومان سايس يضع نقطة النهاية لمسار دولي ويغادر قيادة “الأسود”

0
83

حين يُغلق قائدٌ باب المنتخب من الداخل، لا يكون الأمر مجرد اعتزال، بل لحظة انتقال رمزي بين جيلين. هكذا اختار رومان سايس أن يطوي صفحة امتدت لسنوات مع المنتخب المغربي، معلنًا نهاية مسار دولي حمل فيه شارة القيادة في أكثر المواعيد حساسية، وكتب اسمه في واحدة من أكثر الفترات كثافة في تاريخ الكرة الوطنية.

قرار الاعتزال، الذي أعلنه مساء الاثنين عبر حسابه على منصة إنستغرام، لم يأتِ في صيغة وداع عابر، بل بدا أشبه ببيان تأملي يُعيد ترتيب المشهد من الداخل. تحدّث عن “أجمل فصل” في مسيرته، في إشارة واضحة إلى التحول النوعي الذي عرفه المنتخب في السنوات الأخيرة، حين انتقل من منتخب يسعى لتثبيت حضوره القاري إلى منتخب ينافس على الشرعية الكروية عالميًا. بين هذين المستويين، كان سايس أحد عناوين الاستقرار الدفاعي، وأحد وجوه الصرامة التكتيكية التي طبعت أداء “أسود الأطلس”.

منذ أن ارتدى قميص منتخب المغرب لكرة القدم، لم يكن حضوره صاخبًا بقدر ما كان ثابتًا. مدافع يُراهن على التموضع والالتزام، وعلى قراءة اللعب قبل الاشتباك. ومع مرور الوقت، تحوّل إلى قائد ميداني، لا يكتفي بتنفيذ التعليمات بل يُجسّدها. حمل شارة القيادة في مرحلة عرفت ضغطًا جماهيريًا وإعلاميًا غير مسبوق، خصوصًا بعد الطفرة التي أعادت تعريف سقف الطموح المغربي، قارّيًا ودوليًا.

في بيانه، استعاد سايس معنى الشارة لا كقطعة قماش، بل كأمانة. كل مرة تقلّدها كانت، بحسب تعبيره، استحضارًا لثقل التطلعات وحجم المسؤولية. هنا تتجاوز الحكاية حدود المستطيل الأخضر: قائد يُدرك أن تمثيل المغرب ليس مباراة كل ثلاثة أيام، بل علاقة وجدانية مع جمهور يرى في المنتخب مرآةً لصورة البلاد. لذلك بدا شكره للجماهير أكثر من مجاملة بروتوكولية؛ اعترافٌ بدور الدعم الشعبي في صناعة الثقة، وفي تحويل الضغط إلى طاقة دفع.

ولم تغب الإشارة إلى البعد المؤسسي. فقد ثمّن سايس، في رسالته، الدينامية التي عرفتها البنيات التحتية والاحترافية في السنوات الأخيرة، معتبرًا أنها أسهمت في ترسيخ مكانة المغرب كمرجع كروي قارّي ودولي، في ظل الرؤية التي يقودها محمد السادس. هذا الربط بين الأداء داخل الملعب والتحول خارجَه يُحيل إلى وعي بأن النهضة الكروية ليست صدفة جيل، بل نتاج مسار استثماري وهيكلي طويل.

اعتزال سايس يفتح، إذن، سؤال الانتقال: من يملأ فراغ القائد؟ وكيف يُعاد توزيع الأدوار داخل غرفة الملابس؟ فالمنتخبات لا تفقد لاعبًا فقط حين يعتزل أحد رموزها، بل تخسر ذاكرة تكتيكية وتجربةً تراكمت في محطات كبرى. غير أن الرسالة الختامية للمدافع السابق لم تكن رسالة قلق، بل دعم وثقة في مستقبل يبدو، بحسب تعبيره، واعدًا.

بهذا المعنى، لا يُقرأ وداع رومان سايس كخاتمة حزينة، بل كإعلان اكتمال دورة. جيلٌ ينسحب تاركًا خلفه سقفًا أعلى مما وجده، ومسؤوليةً أثقل على من سيحملون الشارة بعده. وبين البداية والحلم الذي استحضره في بيانه، والنهاية التي اختار توقيتها بنفسه، تبقى القصة أوضح من أي عنوان: لاعبٌ عاش الانتماء حتى لحظة الوداع، وخرج من الباب الذي صنعه بثباته.