اقتصاد الحروب: كيف تحولت فرنسا إلى ثاني أكبر تاجر سلاح في العالم مستفيدة من أزمات تمتد من الشرق الأوسط إلى آسيا؟

0
74

في عالمٍ يتزايد فيه عدد النزاعات المسلحة، لم تعد الحروب مجرد صراعات عسكرية بين الدول، بل تحوّلت إلى سوقٍ اقتصادية ضخمة تتحرك فيها مصالح الدول الكبرى وشركات الصناعات الدفاعية. وفي قلب هذه المعادلة تقف اليوم معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI)، الذي يرصد سنوياً تحولات تجارة السلاح في العالم. أحدث تقاريره يكشف حقيقة لافتة: فرنسا لم تعد مجرد قوة عسكرية أوروبية، بل أصبحت أحد أبرز المستفيدين اقتصادياً من تصاعد التوترات الدولية، من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وصولاً إلى آسيا.

تشير المعطيات الجديدة إلى أن فرنسا أصبحت ثاني أكبر مُصدّر للأسلحة في العالم بحصة تبلغ 9.8% من إجمالي الصادرات العسكرية الدولية خلال الفترة ما بين 2021 و2025، خلف الولايات المتحدة التي ما تزال تهيمن على السوق بنسبة تصل إلى 42%. كما ارتفعت صادرات السلاح الفرنسية بنسبة 21% مقارنة بالفترة 2016-2020، وهو ما يعكس توسعاً واضحاً للصناعة الدفاعية الفرنسية في السنوات الأخيرة.

لكن الأهم من الأرقام هو الخريطة الجغرافية لهذه الصادرات؛ فهي تكشف أن الأسلحة الفرنسية تتجه أساساً إلى مناطق التوتر والصراعات الاستراتيجية في العالم.

جغرافيا السلاح: حيث توجد الأزمات توجد الصفقات

تُظهر بيانات التقرير أن باريس صدّرت أسلحتها إلى 63 دولة حول العالم، غير أن الجزء الأكبر من هذه المبيعات يذهب إلى مناطق تعيش توترات أمنية أو سباقات تسلح. فالدول الواقعة في آسيا وأوقيانوسيا تستحوذ على نحو 31% من صادرات فرنسا العسكرية، تليها منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بنسبة 28%، ثم أوروبا بنسبة 21%.

وفي مقدمة المستوردين تبرز الهند، التي تحصل وحدها على نحو 24% من صادرات السلاح الفرنسية، في ظل التنافس العسكري التاريخي بينها وبين باكستان، إضافة إلى التوترات الحدودية مع الصين. كما تأتي مصر في المرتبة الثانية بحصة تقارب 11%، بينما تستحوذ اليونان على حوالي 10% من الصادرات الفرنسية، في سياق التنافس العسكري المتصاعد مع تركيا في شرق المتوسط.

بعبارة أخرى، تكشف هذه الخريطة أن تجارة السلاح لا تتحرك في فراغ؛ بل تتبع خطوط الصراع الجيوسياسي، حيث تتحول الأزمات الأمنية إلى فرص اقتصادية للصناعات الدفاعية.

المغرب في معادلة التسلح الإقليمي

ضمن هذا المشهد العالمي، يبرز المغرب كأحد الزبائن المهمين للصناعات الدفاعية الغربية. فبحسب معطيات التقرير، تعتمد الرباط أساساً على الولايات المتحدة كمصدر رئيسي للتسليح بنسبة تقارب 60%، تليها إسرائيل بنسبة 24%، بينما تحتل فرنسا المرتبة الثالثة بحوالي 10% من واردات السلاح المغربية.

ويأتي هذا التسلح في سياق توازنات إقليمية حساسة، خصوصاً مع استمرار التوترات السياسية والعسكرية بين المغرب والجزائر حول قضية الصحراء. هذه المنافسة الاستراتيجية دفعت البلدين إلى تحديث قدراتهما الدفاعية، ما جعل شمال إفريقيا أحد المسارح غير المعلنة لسباق تسلح طويل الأمد.

المفارقة أن القارة الإفريقية عموماً شهدت تراجعاً في واردات السلاح خلال السنوات الأخيرة، إلا أن المغرب استمر في تحديث قدراته العسكرية، ما جعله يتصدر قائمة مستوردي السلاح في إفريقيا وفق بيانات المعهد.

سباق التسلح… عندما تصبح الحرب اقتصاداً

لا يمكن فهم صعود فرنسا في سوق السلاح دون النظر إلى التحولات الكبرى في النظام الدولي. فالحرب في أوكرانيا أعادت أوروبا إلى منطق التسلح بعد عقود من تقليص الميزانيات العسكرية، كما أن التوترات في الشرق الأوسط وآسيا عززت الطلب العالمي على المعدات الدفاعية.

وتشير بيانات المعهد إلى أن حجم تجارة السلاح العالمية ارتفع بحوالي 9.2% خلال السنوات الخمس الأخيرة، وهو أعلى نمو منذ أكثر من عقد.

في هذا السياق، لم تعد الأسلحة مجرد أدوات للدفاع، بل أصبحت أيضاً أداة دبلوماسية واقتصادية تستخدمها الدول لتعزيز نفوذها السياسي وبناء التحالفات الدولية.

الطائرات المقاتلة… القلب النابض للصناعة العسكرية الفرنسية

يعتمد جزء كبير من صادرات فرنسا العسكرية على الصناعات الجوية المتقدمة، وفي مقدمتها الطائرات المقاتلة مثل Dassault Rafale، التي أصبحت أحد أهم رموز القوة الصناعية العسكرية الفرنسية.

إلى جانب الطائرات المقاتلة، تشمل الصادرات الفرنسية أيضاً الفرقاطات البحرية، وأنظمة الدفاع الجوي، والصواريخ، والمدرعات الثقيلة، وهي منظومة متكاملة جعلت من باريس أحد اللاعبين الأساسيين في سوق السلاح العالمية.

سؤال يتجاوز الأرقام

ما تكشفه هذه الأرقام لا يتعلق فقط بحجم تجارة السلاح، بل يطرح سؤالاً أعمق: هل أصبحت الحروب أحد محركات الاقتصاد العالمي؟

فالواقع أن خريطة تجارة السلاح تكاد تتطابق مع خريطة النزاعات الدولية. كلما تصاعدت التوترات في منطقة ما، ازداد الطلب على السلاح، وكلما ازداد الطلب، ازدهرت الصناعات الدفاعية في الدول الكبرى.

وفي هذا السياق، تبدو فرنسا مثالاً واضحاً على هذا الترابط بين الجغرافيا السياسية والاقتصاد العسكري: دولةٌ أوروبية تستفيد صناعاتها الدفاعية من سباقات التسلح في آسيا والشرق الأوسط وإفريقيا، في وقتٍ يتحول فيه الأمن العالمي إلى سوق مفتوحة للمنافسة الاستراتيجية.

وبينما تستمر الحروب في إعادة رسم موازين القوى في العالم، يبدو أن السؤال الحقيقي لم يعد فقط من يربح المعارك؟
بل أيضاً: من يربح اقتصاد الحروب؟