البصل المغربي بين المضاربة وعجز الدولة: 16 درهما للكيلوغرام!

0
79
صورة: و.م.ع

في ظل استقرار الأسواق الأوروبية على أسعار منخفضة، حيث يُمكن شراء خمسة كيلوغرامات من البصل في هولندا بحوالي 15 درهما مغربياً، يشهد المغرب موجة غير مسبوقة من ارتفاع أسعار هذا المنتج الأساسي، ليبلغ سعر الكيلوغرام الواحد 16 درهما في الأسواق الكبرى، وسط جدل حول الأسباب الحقيقية وراء هذا الارتفاع ومدى تأثيره على القدرة الشرائية للمستهلك المغربي.

“الطلب أم المضاربة؟”

تفسّر المعادلة التقليدية بين العرض والطلب جزءًا من الظاهرة، خاصة خلال شهر رمضان، حيث يزداد الطلب على البصل لكونه عنصراً رئيسياً في المائدة المغربية. لكن مهنيين في القطاع يشيرون إلى أن الأمر أبعد من مجرد زيادة استهلاك، ليطال أساليب التخزين والبيع، خاصة مع اعتماد المخزون الحالي على طريقة “العشّة” التقليدية، دون تبريد فعال يمكنه الحفاظ على الكميات المنتجة منذ الصيف الماضي.

الحسين أضرضور، رئيس الفيدرالية البيمهنية لمنتجي ومصدّري الخضر والفواكه، أقر بأن الكميات الحالية محدودة وأن بعض المنتوجات الإسبانية المتوفرة تُباع بأسعار أقل، ما يعكس حقيقة أن السوق المحلية تعاني من اختلالات أكثر تعقيداً من مجرد نقص العرض.

الوسطاء والربح السريع

موحى أرشون، أمين الفلاحين بكيكو، يسلّط الضوء على العامل الأكثر حسماً: دور الوسطاء في تضخيم الأسعار. الفلاحون، الذين باعوا محاصيلهم في الصيف الماضي بأسعار منخفضة (أربع دراهم للكيلوغرام)، أصبحوا متفرجين على الأسعار وهي تتضاعف في الأسواق، فيما يحقق الوسطاء أرباحاً تفوق ما يحصل عليه المنتجون أضعافاً.

وبحسب أرشون، فإن التساقطات المطرية الأخيرة وأضرار المخزون المخزن في الضيعات ساهمت في محدودية العرض، لكن الأثر الأكبر يبقى للمضاربة والتدبير غير المنصف لسلسلة التوزيع.

دور الحكومة والمراقبة المحدودة

عبد الكريم الشافعي، نائب رئيس الجامعة المغربية لحماية المستهلك، وصف الوضع بأنه نتيجة مباشرة لتمكّن المضاربين من مفاصل توزيع المنتجات الفلاحية، مؤكداً أن الفارق بين أسعار الجملة والتقسيط يفوق أحياناً 50٪. وأضاف الشافعي أن غلاء البصل ليس حالة معزولة، بل يشمل أيضاً الطماطم والخيار وغيرها من المواد الفلاحية، ما يثير علامات استفهام حول جدية التدخل الحكومي في حماية القدرة الشرائية للمستهلكين.

ورغم وجود القانون رقم 104.12 المتعلق بحرية الأسعار والمنافسة، يلاحظ الشافعي أن تفعيل آليات تسقيف الأسعار والتدخل الحكومي لا يزال محدوداً، مما يترك السوق عرضة للزيادات المفاجئة والمضاربة المستترة.

خلفية الظاهرة

ما يحدث في المغرب يكشف هشاشة منظومة التسويق الزراعي، حيث تتداخل العوامل المناخية، والتخزين التقليدي، وارتفاع الطلب الموسمي مع مصالح المضاربين، لتخلق معادلة غير منصفة للفلاح والمستهلك على حد سواء. في الوقت نفسه، يبدو أن المستهلك المغربي يواجه واقعاً اقتصادياً لا يحميه من المضاربة، في حين تبقى الأسواق الأوروبية نموذجاً للثبات النسبي للأسعار، ما يطرح سؤالاً واضحاً: لماذا في بلد مثل المغرب، حيث يُنتج البصل محلياً، يصل سعره إلى مستويات تفوق مثيله الأوروبي بثلاثة أضعاف؟