باريس والرباط في شراكة استراتيجية: الطاقة النووية كرافعة للتحول المستدام

0
92

لم يعد من المستبعد أن يثمر الاجتماع رفيع المستوى المرتقب بين الحكومتين الفرنسية والمغربية، أو حتى الزيارة المنتظرة للملك محمد السادس إلى باريس خلال العام الجاري، عن إعلان وصول المغرب إلى مرحلة متقدمة في تطوير الطاقة النووية المدنية.

وقد بدأت بوادر هذا التحول تظهر تدريجيًا، بعد أن خرجت مسألة الطاقة النووية من دائرة السر إلى العلن، من خلال تقارير فرنسية تناولت الموضوع، لا سيما تقرير “جون أفريك” الذي أشار إلى أن لقاء وزير الخارجية الفرنسي، جان نويل بارو، بنظيره المغربي، ناصر بوريطة، على هامش القمة العالمية للطاقة النووية، لم يكن مجرد صدفة. فالاجتماع الذي احتضنته باريس، وحضرته حكومة المغرب برئاسة عزيز أخنوش، يعكس الأهمية المتزايدة للملف النووي في العلاقات الثنائية بين البلدين.

فرنسا، باعتبارها إحدى القوى العالمية الرائدة في مجال الطاقة النووية المدنية، لم تكتفِ بعرض خبراتها، بل سعت من خلال هذا اللقاء إلى إدماج شركائها المقربين في النقاش الدولي حول مستقبل الطاقة منخفضة الكربون، في وقت يتركز فيه العالم على الانتقال الطاقي وتقليص الاعتماد على الوقود الأحفوري.

من جانبها، لم تغفل الرباط التطورات الحديثة في التكنولوجيا النووية المدنية، رغم اعتمادها القوي على الطاقات المتجددة لتوليد الكهرباء. فقد تابعت المملكة عن كثب التطبيقات العلمية والتقنية للطاقة النووية، سواء في توليد الكهرباء أو في أبحاث علمية متقدمة، معبرة رسميًا عن رغبتها في امتلاك هذا النوع من الطاقة.

حضور المغرب في القمة ومشاركته في النقاشات المتعلقة بتمويل مشاريع الطاقة النووية يعكس استراتيجية طويلة المدى تهدف إلى تنويع مصادر الطاقة، ويؤكد اهتمام المملكة بالمشاركة في مبادرات دولية لتعزيز أمن الطاقة وتقوية الشراكات التقنية.

وفي كلمته بباريس، شدد رئيس الحكومة المغربي على أن الطاقة النووية المدنية لا تقتصر على إنتاج الكهرباء فحسب، بل تفتح آفاقًا واسعة تشمل إنتاج الهيدروجين الأخضر، وتحلية مياه البحر، والطب النووي، فضلاً عن دعم الأمن الغذائي. وأضاف أن احتياطيات المملكة من اليورانيوم الطبيعي في حقول الفوسفاط تمنحها “بُعدًا استراتيجيًا إضافيًا في النقاش الدائر حول الطاقة النووية المدنية”.

وأكد أخنوش أن “الاستقرار الطاقي لم يعد مجرد تحد اقتصادي، بل أصبح رهانًا على السيادة الوطنية، وأن الطاقة النووية المدنية تمثل رافعة استراتيجية لا محيد عنها في ظل التهديدات العالمية التي تهز التوازنات الدولية”.

واستطرد قائلاً إن “تسارع التغير المناخي، وارتفاع الطلب العالمي على الطاقة، وهشاشة سلاسل الإمداد، جميعها عوامل تفرض تحولاً عميقًا على المنظومات الطاقية، والبحث عن حلول منخفضة الكربون، على غرار الطاقة النووية المدنية”.

ويأتي ملف الطاقة النووية ضمن إطار تعاون أوسع بين باريس والرباط، يشمل مجالات الطاقة والتكنولوجيا والاستثمار، ليؤكد أن العلاقة الثنائية بين البلدين تتسع لتشمل مشاريع كبرى ذات طابع استراتيجي، في سياق الزخم الذي أعقب إعلان الرئيس ماكرون دعم بلاده للسيادة المغربية على الصحراء في 2024.