لم يعد ما يجري داخل حزب التجمع الوطني للأحرار في الجهة الشرقية مجرد اختلاف عابر في وجهات النظر التنظيمية، بل أخذ شكل دينامية صامتة تعكس صراعاً مركباً حول التزكيات ومواقع النفوذ. في الظاهر، يبدو النقاش تقنياً مرتبطاً بإعادة ترتيب الترشيحات، لكن في العمق يتجاوز ذلك ليكشف عن سباق مبكر لإعادة رسم موازين القوة داخل الحزب استعداداً للاستحقاقات المقبلة. وفي قلب هذه اللحظة، يجد محمد شوكي نفسه أمام أول اختبار فعلي لقيادته، اختبار لا يتعلق فقط بتدبير التنظيم، بل بقدرته على تفكيك شبكة معقدة من الولاءات وإعادة تركيبها دون تفجير تناقضاتها.
تمتد الجهة الشرقية من وجدة إلى الناظور مروراً بـبركان والدريوش، غير أنها سياسياً لا تخضع لمنطق مركز واحد، بل تتوزع على خرائط نفوذ محلية راكمت قوتها عبر الزمن. في كل مدينة تقريباً، تشكلت دوائر تأثير يقودها أعيان ومنتخبون نسجوا علاقات متشابكة مع البنية الاجتماعية والاقتصادية، ما يجعل أي محاولة لإعادة ترتيبها بقرارات مركزية محفوفة بمخاطر الاصطدام. هكذا تتحول التزكيات من آلية تنظيمية إلى لحظة اختبار حقيقية لتوازنات دقيقة، حيث يمكن لأي تعديل بسيط أن يعيد فتح صراعات كامنة.
ضمن هذا السياق، لم يعد النقاش حول التزكيات محكوماً فقط بمنطق الكفاءة أو الحظوظ الانتخابية، بل أصبح يعكس حجم الطموحات الفردية داخل الحزب. فالتنافس الذي يظهر في الواجهة كاختلاف حول المواقع الانتخابية يخفي في عمقه سباقاً مبكراً حول النفوذ السياسي، حيث يسعى كل فاعل إلى تثبيت موقعه داخل الخريطة الجديدة التي تتشكل بهدوء.
في وجدة، يظل اسم محمد أوجار حاضراً كأحد أبرز الوجوه التي راكمت رصيداً سياسياً وإدارياً مهماً، سواء من خلال تجربته الحكومية أو الدبلوماسية. هذا الرصيد منحه وزناً خاصاً داخل التنظيم، وجعل منه فاعلاً مؤثراً في معادلاته المحلية. غير أن اللحظة التي سبقت المؤتمر الاستثنائي كشفت تحولاً لافتاً، حين قرر دخول سباق الترشح لخلافة عزيز أخنوش على رأس الحزب، في خطوة أعادت فتح النقاش حول طبيعة التنافس الداخلي وحدوده.
لكن هذا المسار لم يدم طويلاً؛ إذ سرعان ما تحول موقف أوجار من المنافسة إلى دعم ترشيح محمد شوكي، في تراجع فُسِّر داخل الأوساط الحزبية باعتباره إعادة تموقع أكثر منه مراجعة سياسية عميقة. هذا التحول السريع لم يمر دون أثر، بل غذّى تساؤلات حول قدرة المؤسسات الحزبية على تأطير التنافس وضبط إيقاعه، خاصة حين ينتقل الفاعلون في فترة وجيزة من خطاب التحشيد إلى منطق الاصطفاف.
الأثر الأعمق لهذا التحول لا يقتصر على النخب، بل يمتد إلى القواعد المحلية في مدن مثل الناظور وبركان والدريوش، حيث تقوم التوازنات السياسية على شبكات اجتماعية متجذرة. في هذه البيئات، يُقرأ أي تغير في المواقف ليس فقط كخيار سياسي، بل كمؤشر على إعادة توزيع محتملة للنفوذ، ما قد ينعكس على طبيعة التحالفات المحلية واستقرارها.
كما أن الخطاب النقدي الذي عبّر عنه أوجار في مراحل سابقة تجاه بعض آليات التدبير داخل الحزب أضفى بعداً إضافياً على هذا المشهد. فبينما رآه البعض تعبيراً عن رغبة في الإصلاح، اعتبره آخرون جزءاً من استراتيجية لبناء قاعدة دعم داخلية يمكن توظيفها في لحظة التفاوض على المواقع. هذا التباين في القراءة يعكس طبيعة الصراع الجاري، حيث تختلط الرهانات التنظيمية بالحسابات السياسية الشخصية.
ولا يمكن عزل هذه التحولات عن المرحلة التي قاد فيها عزيز أخنوش الحزب، والتي تميزت بتوسع كبير عبر استقطاب أعيان ومنتخبين من مشارب سياسية مختلفة. هذا التوسع منح الحزب قوة انتخابية واضحة، لكنه في المقابل أنتج بنية داخلية معقدة تتداخل فيها المصالح وتتشابك مراكز النفوذ، ما يجعل أي محاولة لإعادة ترتيبها عملية دقيقة قد تفتح أكثر من جبهة في آن واحد.
في هذا الإطار، تبدو الخيارات أمام القيادة الجديدة محدودة ومكلفة في الآن ذاته: فإعادة رسم خريطة التزكيات تعني عملياً إعادة توزيع النفوذ، وهو ما قد يطلق صراعات داخلية مبكرة؛ بينما الإبقاء على التوازنات الحالية لا يعني سوى ترحيل التوتر إلى محطة انتخابية قادمة، حيث قد يظهر بشكل أكثر حدة.
هنا يتجلى التحدي الحقيقي الذي يواجه محمد شوكي: ليس فقط في فرض انضباط تنظيمي، بل في قدرته على إنتاج توازن جديد يوفق بين منطق الاستمرارية ومتطلبات التغيير. فالتجربة الحزبية في المغرب أظهرت أن معركة القيادة لا تُحسم في مواجهة الخصوم الخارجيين بقدر ما تُحسم داخل التنظيم نفسه، حيث تختبر قدرة الزعيم على إدارة التعدد دون أن يتحول إلى انقسام.
وعليه، تبدو الجهة الشرقية اليوم أكثر من مجرد مجال جغرافي داخل الحزب؛ إنها مختبر سياسي حقيقي. ما سيقع فيها لن يحدد فقط ملامح الاستحقاقات المقبلة، بل سيعطي مؤشراً واضحاً على طبيعة المرحلة التي يدخلها الحزب: هل هي مرحلة إعادة هيكلة تضبط الإيقاع الداخلي، أم مجرد استمرار لتوازنات سابقة بصيغة جديدة مؤجلة الانفجار.