كأس إفريقيا 2025: تتويج إداري وحماس غائب

0
140

في ظاهر القرار، يبدو أن المنتخب المغربي خرج منتصرًا، لكن في عمق المشهد، لا يشبه هذا “الفوز” أي انتصار كروي حقيقي. فحين تعلن الاتحاد الإفريقي لكرة القدم عبر لجنة الاستئناف هزيمة منتخب السنغال بالانسحاب ومنح اللقب لـالمغرب بنتيجة 3–0، فإننا لا نكون أمام تتويج بقدر ما نحن أمام “قرار إداري” يعيد ترتيب الوقائع بدل أن يصنع لحظة فرح جماعي.

هذا النوع من الانتصارات، الذي يأتي خارج أرضية الملعب، يطرح سؤالًا جوهريًا: هل يمكن للجماهير أن تحتفل بقرار؟ أم أن الفرح الكروي مشروط دائمًا بالفعل، بالعرق، باللحظة، وبالانتصار الذي يُنتزع لا الذي يُمنح؟ هنا تتجلى المفارقة؛ فالمغرب “فاز”، لكنه فوز بلا ذاكرة جماعية، بلا صورة هدف حاسم، بلا لحظة صراخ جماعي توحّد الشارع.

في العمق، يعكس القرار أزمة تتجاوز مباراة نهائية في كأس إفريقيا للأمم 2025. نحن أمام خلل بنيوي في تدبير النزاعات داخل الكرة الإفريقية، حيث تتحول اللوائح — مثل المادتين 82 و84 — من أدوات تنظيم إلى أدوات حسم سياسي وقانوني في صراعات رياضية مشحونة. قبول استئناف الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم شكلاً وموضوعًا، وإلغاء قرار لجنة الانضباط، لا يعني فقط تصحيح مسار قانوني، بل يكشف أيضًا حجم التوتر والتأويل الذي يطبع هذه القوانين.

لكن ما لا يُقال في مثل هذه القرارات هو الأثر النفسي والاجتماعي. المواطن المغربي، الذي يعيش تحت ضغط يومي مرتبط بغلاء المعيشة وتذبذب القدرة الشرائية، لا يبحث فقط عن “نتيجة رسمية”، بل عن لحظة تنفيس جماعي. كرة القدم هنا ليست مجرد لعبة؛ إنها أداة توازن اجتماعي. وعندما يأتي الفوز بهذه الطريقة، فإنه يفشل في أداء هذا الدور. بل قد يتحول إلى مصدر إحباط صامت، لأن الجماهير تشعر — ولو دون تصريح — أن شيئًا ما سُلب منها: حق الفرح الكامل.

أما على مستوى صورة المغرب، فالوضع أكثر تعقيدًا. صحيح أن القرار يعزز “الشرعية القانونية” للنتيجة، لكنه يفتح أيضًا باب التأويلات: هل هو انتصار للمؤسسات المغربية داخل الكواليس الإفريقية؟ أم أنه يعكس صراع نفوذ داخل أجهزة الكاف؟ في مثل هذه السياقات، لا تكون الحقيقة دائمًا في النص القانوني، بل في توازنات القوة التي تحكمه.

وفي المقابل، يضع القرار منتخب السنغال واتحاده في موقع المساءلة، ليس فقط بسبب الانسحاب، بل بسبب ما اعتبرته اللجنة خرقًا صريحًا للمادة 82. هذا يعكس تحولًا في تعامل الكاف مع حالات الانضباط، من التساهل النسبي إلى الصرامة، وهو تحول قد تكون له تداعيات مستقبلية على سلوك المنتخبات الإفريقية في المنافسات الكبرى.

تفاصيل العقوبات المرافقة — من تعديل إيقاف إسماعيل صيباري، إلى تخفيض الغرامات المالية، مع الإبقاء على بعضها — تكشف بدورها عن محاولة لإعادة “توازن العدالة” داخل الملف. لكنها في الوقت ذاته تعزز الانطباع بأن المباراة تحولت من حدث رياضي إلى ملف قانوني معقد، تُفكك فيه الوقائع إلى مخالفات، وتُختزل فيه اللحظة الكروية إلى أرقام وغرامات.

في النهاية، يمكن القول إن المغرب ربح “اللقب”، لكنه خسر لحظة تاريخية كان يمكن أن تُكتب على أرض الملعب. فبين فوز يُصنع في المدرجات وآخر يُعلن في المكاتب، فرق شاسع لا تدركه اللوائح، لكن يشعر به الشارع. والسؤال الذي يبقى معلقًا: هل تكفي شرعية القرار لتعويض غياب شرعية الإحساس؟