اليماني يفضح “تزييف” الحكومة حول سامير: استغلال 4% فقط من القدرة الإجمالية يُنذر بأزمة طاقية

0
135

في لحظة دولية تتسم باضطراب غير مسبوق في أسواق الطاقة، على خلفية التوترات المتصاعدة في الشرق الأوسط، عاد ملف سامير إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب، ليس فقط باعتباره قضية صناعية عالقة، بل كمرآة تعكس هشاشة التوازن بين منطق السوق ومتطلبات السيادة الطاقية. فالتصريحات الأخيرة لوزيرة الانتقال الطاقي، ليلى بنعلي، بشأن “استغلال الطاقة التخزينية” للمصفاة المتوقفة، فجّرت سجالًا جديدًا مع النقابي الحسين اليماني، الذي سارع إلى تفكيك الرواية الرسمية بأرقام تقنية اعتبرها كفيلة بإعادة تأطير النقاش من جديد.

قراءة اليماني لا تقف عند حدود الاختلاف في التوصيف، بل تذهب إلى حد الطعن في جوهر الخطاب الحكومي، إذ يؤكد أن ما تم تقديمه كـ”استغلال” لا يعدو أن يكون عملية محدودة تهم كراء خزان واحد بسعة لا تتجاوز 80 ألف متر مكعب، أي ما يمثل نحو 4 في المائة فقط من القدرة الإجمالية للمصفاة التي تناهز مليوني متر مكعب. بهذا المعنى، يتحول “الاستغلال” من مفهوم يعكس تعبئة أصل صناعي استراتيجي، إلى إجراء جزئي ومعزول لا يعكس، في نظره، سوى الحد الأدنى من الإمكانات المعطلة.

غير أن الإشكال، كما يطرحه اليماني، لا يقف عند حدود النسبة الضئيلة، بل يمتد إلى طبيعة هذا الاستغلال، الذي تم—بحسب معطياته—لفائدة فاعل واحد جديد في سوق المحروقات، ما يفتح الباب أمام تساؤلات تتعلق بمدى تكافؤ الفرص داخل سوق يوصف أصلًا بكونه شديد التركّز. هنا، يتحول النقاش من تقني صرف إلى سؤال سياسي-اقتصادي حول شروط المنافسة، وحدود تدخل الدولة في إعادة توزيع أدوار الفاعلين داخل قطاع حيوي.

وفي خلفية هذا السجال، يبرز البعد الأكثر عمقًا في خطاب اليماني، الذي يدعو إلى تجاوز النقاش حول التخزين نحو استحضار الوظيفة الأصلية للمصفاة: التكرير. فغياب هذا النشاط منذ إخضاع سامير للتصفية القضائية سنة 2015 لم يكن، في تقديره، مجرد توقف تقني، بل نقطة تحول بنيوية أدت إلى اختلالات متراكمة، بدءًا من تضخم فاتورة الاستيراد بالعملة الصعبة، مرورًا بضعف القدرة على التأثير في الأسعار، وصولًا إلى فقدان خبرات بشرية راكمت سنوات من التخصص في صناعة التكرير.

تتغذى هذه القراءة من سياق دولي ضاغط، حيث أعادت اضطرابات الإمدادات العالمية طرح سؤال الأمن الطاقي بإلحاح متزايد. فالمغرب، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد المواد البترولية المكررة، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة: كيف يمكن ضمان استقرار السوق الداخلية في غياب أداة صناعية سيادية كانت، إلى وقت قريب، توفر هامش أمان استراتيجيًا؟ في هذا الإطار، يستحضر اليماني أرقامًا دالة، مشيرًا إلى أن المصفاة كانت تؤمّن ما بين 40 و45 يومًا من الاستهلاك الوطني، وهي قدرة كانت كفيلة برفع المخزون الإجمالي إلى أكثر من 60 يومًا عند احتساب مخزون الموزعين.

على المستوى القضائي، لا يبدو أن الملف يتحرك بالسرعة المطلوبة. فقرارات المحكمة التجارية بالدار البيضاء بتمديد استمرارية نشاط الشركة تتكرر منذ سنوات، في محاولة للحفاظ على الأصول وعقود الشغل، لكنها في الآن ذاته تعكس حالة من الانتظار المفتوح في غياب حسم سياسي واضح. ويزداد هذا التعقيد مع تعثر مسار التفويت، كما حدث مؤخرًا مع رفض عرض استثماري أجنبي ضخم، وهو ما يكشف حجم القيود القانونية والتقنية التي تطوق هذا الملف.

وسط هذا المشهد، يتجاوز الجدل بين الحكومة والنقابات مجرد اختلاف في التقدير، ليعكس أزمة أعمق في هندسة القرار الطاقي بالمغرب. فبين خطاب رسمي يتحدث عن تعبئة تدريجية للإمكانات، وخطاب نقابي يحذر من “تزييف الواقع”، يظل السؤال المركزي معلقًا: هل يتعلق الأمر بإدارة انتقالية لمرحلة ما بعد التكرير، أم بإرجاء غير معلن لقرار استراتيجي لم يُحسم بعد؟

هكذا، يعود ملف سامير ليطرح نفسه كاختبار حقيقي لقدرة الدولة على التوفيق بين إكراهات السوق المفتوحة ومتطلبات السيادة الاقتصادية، في عالم لم تعد فيه الطاقة مجرد سلعة، بل أداة من أدوات النفوذ وإعادة تشكيل موازين القوة.