فائض تحت الضغط: توازن مالي أم استقرارٌ محاسبي هشّ في قلب المالية العمومية بالمغرب؟

0
133

في سياقٍ تتقاطع فيه التحولات المالية وكأنها تميل إلى تسجيل توازن مريح في الحسابات العمومية، تكشف معطيات الخزينة العامة للمملكة عن صورة أكثر تركيبًا من مجرد أرقام فائضٍ محاسبي، حيث لا يتعلق الأمر فقط بارتفاع في الرصيد، بل بتداخل معقد بين دينامية الجبايات، وتطور النفقات، وإيقاع الدين العمومي، وما يعكسه ذلك من تحولات أعمق في بنية المالية العمومية بالمغرب.

وفق المعطيات الصادرة إلى غاية متم مارس 2026، سجلت الخزينة فائضًا في الميزانية بلغ 6,5 مليار درهم، مقارنة بـ5,9 مليار درهم خلال الفترة نفسها من السنة الماضية. هذا الفائض، وإن بدا في ظاهره مؤشرًا إيجابيًا على صلابة التوازنات المالية، فإنه يستند إلى رصيد إجمالي إيجابي مهم ناتج عن الحسابات الخاصة للخزينة ومصالح الدولة المسيرة بصورة مستقلة، بما مجموعه 21,2 مليار درهم، وهو ما يطرح سؤال طبيعة هذا التوازن: هل هو بنيوي ومستدام، أم أنه توازن مدفوع بآليات محاسباتية وتقنية أكثر منه انعكاسًا لتحسن اقتصادي شامل؟

على مستوى المداخيل، يظهر منحنى تصاعدي واضح، حيث بلغت المداخيل العادية الخام 123,42 مليار درهم، بزيادة 8,3 في المائة مقارنة بسنة 2025. هذا التحسن ارتكز أساسًا على ارتفاع الضرائب المباشرة وغير المباشرة، إضافة إلى رسوم التسجيل والتنبر، في مقابل تراجع الرسوم الجمركية والمداخيل غير الضريبية. هذا التوزيع يكشف بشكل غير مباشر عن تحول في بنية التمويل العمومي نحو تعميق الاعتماد على الجباية الداخلية، مقابل تراجع نسبي في الموارد المرتبطة بالتجارة الخارجية أو المداخيل غير الجبائية.

لكن في المقابل، لا يمكن فصل هذا التحسن في المداخيل عن ارتفاع متزامن في النفقات العادية التي بلغت 108,33 مليار درهم، بزيادة 4,9 في المائة. هذه الزيادة ارتبطت أساسًا بنفقات السلع والخدمات، وبالخصوص بارتفاع تكاليف فوائد الدين، التي سجلت بدورها زيادة مهمة. وهنا يبرز بوضوح أن الدين العمومي لم يعد مجرد عنصر تمويل، بل أصبح أحد المحددات الثقيلة في معادلة التوازن المالي، بما يفرض ضغطًا متزايدًا على هامش الحركة في السياسة الميزانياتية.

وبناء على هذا التفاعل بين المداخيل والنفقات، سجل الرصيد العادي فائضًا قدره 15,09 مليار درهم، مقابل 10,7 مليار درهم قبل سنة، وهو تطور إيجابي في شكله الرقمي، لكنه يظل مشروطًا بسياق عام يتسم بارتفاع متزامن في الإنفاق العمومي، سواء في التسيير أو الاستثمار أو خدمة الدين.

أما على مستوى الميزانية العامة، فقد بلغت النفقات الصادرة 151,96 مليار درهم، بزيادة 6 في المائة، مدفوعة بارتفاع نفقات التسيير والاستثمار وأعباء الدين المدرجة في الميزانية، وهو ما يعكس استمرار ضغط الالتزامات الهيكلية للدولة، خاصة في سياق تتوسع فيه الحاجة إلى الاستثمار العمومي لمواكبة التحولات الاقتصادية والاجتماعية.

وفي جانب آخر من الصورة المالية، بلغت مداخيل الحسابات الخاصة للخزينة 67,7 مليار درهم، مقابل نفقات قدرها 47,3 مليار درهم، بما أفرز رصيدًا إيجابيًا بلغ 20,4 مليار درهم. غير أن هذه الحسابات، بطبيعتها التقنية الخاصة، تظل عنصرًا يحتاج إلى قراءة دقيقة، لأنها قد تعكس تدفقات مالية ظرفية أو عمليات محاسبية مرتبطة ببرامج محددة، أكثر مما تعكس دينامية ضريبية أو إنتاجية مستقرة.

كما سجلت مرافق الدولة المسيرة بطريقة مستقلة ارتفاعًا محدودًا في المداخيل بلغ 737 مليون درهم، مقابل 608 مليون درهم السنة الماضية، وهو تحسن طفيف لا يغير كثيرًا في الوزن الإجمالي لهذه الفئة داخل المنظومة المالية العامة.

في المحصلة، لا تقدم هذه الأرقام مجرد صورة عن “فائض مالي”، بل ترسم ملامح مرحلة دقيقة من تدبير المالية العمومية، حيث يتقاطع تحسن الموارد الجبائية مع تصاعد كلفة الدين والإنفاق، في معادلة دقيقة تطرح سؤال الاستدامة أكثر مما تقدم إجابة نهائية. فالفائض، في هذه الحالة، ليس نهاية معادلة، بل نقطة داخل مسار طويل من التوازنات الهشة بين متطلبات الدولة الاجتماعية وضغط الالتزامات المالية.