شوكي: “تضخم مستورد وإنجازات ملموسة… لكن المواطن يواجه الواقع في السوق لا في الخطاب”

0
148
صورة: هسبريس

في سياق نقاش سياسي واقتصادي يتجدد حول القدرة الشرائية للمغاربة، يعود خطاب الغلاء إلى الواجهة بوصفه أحد أكثر الملفات حساسية في الحياة اليومية. تصريح محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، يقدم قراءة تعتبر أن الإجراءات الحكومية كان لها “أثر ملموس”، وأن جزءاً كبيراً من موجة التضخم الحالية مرتبط بعوامل خارجية، فيما يظل الدور الداخلي للدولة، حسب هذا التصور، موجهاً نحو التخفيف عبر الدعم الاجتماعي وتوسيع التغطية الصحية وتحفيز الاستثمار.

غير أن هذا النوع من الخطاب، حين يُوضع تحت مجهر التحليل، يكشف أكثر من مجرد أرقام أو إنجازات معلنة. فهو يعكس قبل كل شيء تصوراً لوظيفة الدولة في علاقتها بالمجتمع والاقتصاد: هل هي دولة تُدبّر الأزمات أم دولة تُعيد إنتاج شروط الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي من جذورها؟

في المستوى الأول من الخطاب، تُقدَّم معطيات رقمية قوية: ملايين الأسر المستفيدة من الدعم المباشر، وتوسيع التغطية الصحية، واستثمارات عمومية كبرى أعادت تشكيل البنية التحتية. هذه المؤشرات تُستخدم باعتبارها دليلاً على انتقال نحو “دولة اجتماعية”. لكن التحليل لا يتوقف عند حجم هذه الأرقام، بل ينتقل إلى سؤال أكثر تعقيداً: إلى أي حد ينعكس هذا التحول على تفاصيل الحياة اليومية للمواطن داخل السوق والمستشفى والمدرسة؟

ففي التجربة اليومية، لا تُقاس السياسة فقط بعدد البرامج أو حجم الميزانيات، بل بمدى انعكاسها على الأسعار، وجودة الخدمات، وسهولة الولوج إليها. وهنا تظهر الفجوة بين المؤشر الرسمي والإحساس الاجتماعي، وهي فجوة تتسع كلما بقيت الكلفة المعيشية خارج دائرة الانخفاض الملموس.

في ما يتعلق بتفسير التضخم، يحضر خطاب “التضخم المستورد” كعنصر مركزي في تبرير الارتفاعات السعرية. هذا التفسير، رغم وجاهته في سياق اقتصاد منفتح على تقلبات السوق الدولية، يتحول في الخطاب العام إلى إطار تفسيري شبه شامل يُخفف من مركزية العوامل الداخلية. غير أن الاقتصاد المحلي لا يتحرك فقط بتأثير الخارج، بل أيضاً بتوازنات داخلية مرتبطة بالإنتاج، والوساطة، وسلاسل التوزيع، وهي عناصر غالباً ما تكون حاسمة في تحديد السعر النهائي الذي يصل إلى المستهلك.

في هذا السياق، يبرز ملف الغذاء، وخاصة اللحوم والخضر والفواكه، كنموذج واضح لهذا التعقيد. فبين المنتج والمستهلك تمتد سلسلة طويلة من الوسطاء، حيث لا يعكس السعر النهائي دائماً كلفة الإنتاج الفعلية، بل يتأثر بعوامل التوزيع والمضاربة والطلب. وهنا يتحول سؤال الغلاء من كونه نتيجة ظرفية إلى إشكال بنيوي يتعلق بكيفية تنظيم السوق نفسها.

أما في قطاع الصحة، فإن الحديث عن التغطية الصحية الشاملة يفتح بدوره نقاشاً موازياً حول الفرق بين التغطية كإطار قانوني، والخدمة كواقع يومي. فالمواطن قد يكون مغطى صحياً من الناحية الإدارية، لكنه يواجه في الممارسة تحديات تتعلق بالاكتظاظ، طول مواعيد الانتظار، أو الفوارق بين القطاعين العام والخاص. هذا التباين يجعل من “الحق في الصحة” سؤالاً مرتبطاً ليس فقط بالسياسة العمومية، بل بفعالية المنظومة ككل.

من جهة أخرى، يطرح الخطاب الحكومي خيار السوق الحرة والمنافسة باعتباره الإطار الذي ضمن صمود الاقتصاد أمام الأزمات. غير أن هذا الخيار، في سياق غياب بعض أدوات الضبط القوية، يثير سؤال التوازن بين حرية السوق ودور الدولة في تنظيمها. فالسوق الحرة لا تعني بالضرورة سوقاً متوازنة، بل قد تنتج اختلالات إذا لم تُواكب بسياسات تنظيمية فعالة في مجالات الإنتاج والتوزيع وحماية المستهلك.

في خلفية هذا النقاش، يظهر سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل يُطلب منها أن تكون مجرد فاعل يوزع الدعم ويخفف آثار الأزمات، أم أن وظيفتها الأساسية هي إعادة تشكيل البنية الاقتصادية والاجتماعية بما يقلل من إنتاج الأزمات نفسها؟

بين هذه الرؤى، يتشكل النقاش العمومي حول الغلاء والقدرة الشرائية، ليس كجدل تقني حول الأرقام، بل كمسألة تتعلق بفلسفة الحكم ومعنى التدبير العمومي. وفي هذا المستوى تحديداً، يصبح السؤال أكثر اتساعاً من أي تصريح سياسي: هل تقاس فعالية السياسات بقدرتها على شرح الواقع، أم بقدرتها على تغييره؟