من الرفض الأوروبي إلى السوق الوطنية: شحنة فلفل مغربي تحت تصنيف “خطر جسيم” تفتح سؤال المصير الغامض للمنتجات الممنوعة

0
151

في سياق تشديد المراقبة الأوروبية على سلاسل الإمداد الغذائية العابرة للحدود، أعاد نظام الإنذار السريع للأغذية والأعلاف التابع للمفوضية الأوروبية (RASFF) فتح ملف جديد يتعلق بشحنة فلفل مصدرها المغرب، بعد رصد بقايا مادة مبيدة تُصنَّف ضمن المواد عالية السمية. واقعة تعكس مستوى متزايداً من الحساسية داخل السوق الأوروبية تجاه معايير السلامة الغذائية، حتى في الحالات التي لا ترتبط مباشرة بظهور آثار صحية لدى المستهلكين.

وفق الإشعار رقم 2026.2980، تم اكتشاف آثار لمادة Avermectin B1a في شحنة فلفل كانت تمر عبر إسبانيا، وذلك خلال عملية فحص مخبري داخلي أجرته جهة تجارية قبل تسويق المنتج أو توزيعه داخل السوق الأوروبية. وقد بلغت نسبة التراكيز المسجلة حوالي 0.13 ميليغرام/كلغ، وهو ما دفع السلطات الأوروبية إلى تصنيف الحالة ضمن مستوى “خطر جسيم”، في إطار منظومة احترازية تقوم على مبدأ الوقاية المبكرة، وليس فقط على الاستجابة للحوادث الصحية المسجلة.

وفي امتداد هذا الجدل، لا يتوقف النقاش عند حدود المنع داخل السوق الأوروبية، بل ينتقل مباشرة إلى السؤال الأكثر حساسية: ما هو مصير هذه الشحنة بعد رفضها؟

عادةً، تُعاد الشحنات المرفوضة إلى بلد المنشأ، أي المغرب، باعتباره الوجهة الأصلية للمنتج. غير أن هذا “الرجوع” لا يحسم تلقائياً مسألة السلامة، بل يفتحها على مستوى آخر أكثر تعقيداً يتعلق بمسارات المعالجة الداخلية: هل يتم إتلاف هذه المنتجات وفق مساطر صحية صارمة؟ أم يتم إعادة توجيهها نحو السوق الوطنية؟ أم تخضع لإجراءات إعادة تقييم ومراقبة قبل اتخاذ أي قرار نهائي بشأنها؟

هنا يبرز الإشكال الذي يمس الرأي العام بشكل مباشر، والمتعلق بغياب معطيات واضحة وشفافة حول مصير الشحنات المرفوضة خارجياً بعد عودتها، في مقابل منظومة أوروبية تقوم على التوثيق العلني والدقيق لكل تفاصيل المنع والإشعار. وبين النموذجين، تتسع دائرة الأسئلة الموجهة إلى الجهات الوصية في المغرب، سواء وزارة الفلاحة أو المصالح الصحية أو أجهزة المراقبة المختصة: كيف يتم تدبير هذه الشحنات فعلياً بعد رجوعها؟ وهل يتم إتلافها بشكل كامل ونهائي؟ أم يتم إدخالها إلى قنوات التوزيع الداخلي وفق مساطر قد لا تكون دائماً معلنة للرأي العام؟

إن حساسية هذا الملف لا ترتبط فقط بجودة المنتوج الفلاحي، بل تمتد إلى مستوى أعمق يتعلق بثقة المواطن في منظومة الرقابة الغذائية، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمواد استهلاكية يومية. فالفارق بين الصرامة التنظيمية الأوروبية وإكراهات السوق المحلية يطرح إشكالاً أوسع حول الحوكمة الغذائية، وآليات تتبع مسار المنتجات من لحظة الإنتاج إلى لحظة الاستهلاك.

وبين منطق المنع الخارجي ومنطق الاستهلاك الداخلي، يظل السؤال مفتوحاً: هل تتحول الشحنات المرفوضة إلى مواد يتم التخلص منها وفق معايير شفافة وصارمة؟ أم تجد طريقها إلى إعادة التسويق داخل السوق الوطنية في غياب توضيحات كافية للرأي العام؟

إنها أسئلة تتجاوز حادثة معزولة، لتلامس جوهر منظومة الرقابة الغذائية، وحدود الشفافية، ومسؤولية المؤسسات في حماية الأمن الصحي للمواطن.