في لحظة إقليمية دقيقة تتقاطع فيها رهانات الأمن والطاقة والجغرافيا السياسية، جاء اللقاء التلفزيوني الذي بثّته فرانس 24 حول زيارة نائب وزير الخارجية الأمريكي إلى كلٍّ من الجزائر والمغرب، ليكشف—في الظاهر—عن نقاش دبلوماسي تقليدي، لكنه يخفي في العمق تمثّلات إعلامية منحازة تحاول إعادة تشكيل توازن السرديات في منطقة حساسة، على رأسها ملف الصحراء المغربية.
منذ الدقائق الأولى، يتبيّن أن صياغة النقاش داخل البرنامج لم تكن محايدة بالكامل، حيث تم الإصرار على استعمال توصيف “الصحراء الغربية”، وهو اختيار لغوي ليس بريئًا في السياق الإعلامي الدولي، بقدر ما يعكس تموقعًا ضمنيًا داخل نزاع سياسي معقّد. غير أن القراءة المتأنية لمضامين الحوار تكشف مفارقة واضحة: فبينما تُقدَّم المصطلحات بشكل يوحي بالتوازن، فإن المعطيات الميدانية والديبلوماسية التي طُرحت—خصوصًا من الجانب المغربي—تؤكد أن المقاربة الواقعية التي باتت تحظى بدعم دولي متزايد تتمثل في مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
الزيارة الأمريكية، كما عُرضت في النقاش، لم تكن مجرد جولة بروتوكولية، بل تحمل أبعادًا استراتيجية متعددة. أولها يرتبط بتعزيز الشراكات الاقتصادية والأمنية في منطقة المغرب الكبير، خاصة في ظل التنافس الدولي المتصاعد على القارة الإفريقية، حيث تسعى الولايات المتحدة إلى تثبيت حضورها أمام قوى مثل الصين وروسيا. وثانيها يتصل بالوضع الأمني المتدهور في منطقة الساحل، خصوصًا في مالي، وهو ما يجعل من استقرار المغرب عاملًا محوريًا في أي معادلة إقليمية.
لكن البعد الأهم الذي حاولت الحلقة تسليط الضوء عليه—وإن بشكل غير متوازن—هو ملف الصحراء المغربية. فالمداخلة المغربية أعادت التأكيد على أن هذا الملف لم يعد نزاعًا مفتوحًا على كل الاحتمالات، بل دخل مرحلة الحسم التدريجي عبر تكريس خيار الحكم الذاتي كحل “واقعي وذي مصداقية”، وهو التوصيف الذي تبنّته قرارات مجلس الأمن الدولي المتتالية. كما أن الإشارة إلى الدينامية الدولية الداعمة لهذا الطرح تعكس تحوّلًا عميقًا في موازين القوة الدبلوماسية، حيث لم يعد الطرح الانفصالي يحظى بنفس الزخم الذي كان عليه سابقًا.
في المقابل، حاول الطرح القادم من الجانب الجزائري إعادة إنتاج سردية تقليدية تقوم على نفي صفة الطرف عن الجزائر، وحصر النزاع بين المغرب و”البوليساريو”. غير أن هذا الطرح يصطدم، وفق القراءة المغربية، بواقع دبلوماسي متغيّر بات يعترف بشكل متزايد بدور الجزائر كفاعل أساسي في هذا الملف، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. وهنا تظهر إحدى نقاط الضعف في المعالجة الإعلامية للحلقة، إذ لم يتم تفكيك هذا التناقض بشكل معمّق، ما يطرح تساؤلات حول حدود “التوازن” الذي تدّعيه القناة.
اللافت أيضًا أن النقاش لم يمنح المساحة الكافية لإبراز التحولات التنموية التي تعرفها الأقاليم الجنوبية للمملكة، وهي عناصر أساسية لفهم السياق الحقيقي للنزاع وتأثيره على حياة المواطنين. فالمقاربة المغربية لا تقتصر على البعد السياسي، بل تمتد إلى مشروع تنموي متكامل يهدف إلى إدماج المنطقة اقتصاديًا واجتماعيًا، وهو ما يشكل أحد أعمدة قوة الطرح المغربي على المستوى الدولي.
أما بخصوص الدور الأمريكي، فإن المعطيات المستخلصة من الحوار تشير إلى أن واشنطن لا تتحرك فقط بدافع الوساطة، بل وفق منطق براغماتي يربط بين الاستقرار السياسي والمصالح الاقتصادية والأمنية. فحلّ النزاع في الصحراء المغربية لا يُنظر إليه فقط كإنهاء لأزمة إقليمية، بل كمدخل لإعادة تشكيل فضاء مغاربي قادر على لعب دور اقتصادي واستراتيجي أكبر.
في المحصلة، يكشف هذا اللقاء الإعلامي—رغم ما شابه من اختلالات في التوازن التحريري—عن حقيقة أساسية: أن معركة الصحراء المغربية لم تعد فقط معركة دبلوماسية، بل أصبحت أيضًا معركة سرديات داخل الفضاء الإعلامي الدولي. وبين خطاب يحاول إعادة إنتاج أطروحات متجاوزة، وآخر يستند إلى تحولات واقعية على الأرض، تتبلور صورة جديدة للنزاع، عنوانها الأبرز أن الحل لم يعد بعيدًا عن الأفق، بقدر ما أصبح مرتبطًا بإرادة سياسية دولية تتجه تدريجيًا نحو ترجيح كفة الاستقرار الواقعي على حساب الطروحات الانفصالية.