لم يعد مشهد العائلات وهي تتجول بين “الرحبات” بحثًا عن أضحية العيد مجرد طقس موسمي عابر، بل تحول في السنوات الأخيرة إلى مرآة تعكس تحولات أعمق في المجتمع المغربي؛ حيث تختلط فرحة الشعيرة الدينية بثقل الحسابات اليومية، ويتحول السؤال البسيط: “بشحال هاد الحولي؟” إلى مدخل لفهم علاقة المواطن بالسوق، وبالقدرة الشرائية، وبالقلق المتزايد من موجات الغلاء التي لم تعد تستثني حتى أكثر المناسبات التصاقًا بالوجدان الشعبي.
في الأسواق الممتازة كما في “الرحبات” التقليدية، تبدو الأسعار هذا الموسم وكأنها تتحرك فوق أرض غير مستقرة. فبين توقعات الارتفاع مع دخول الفئات الميسورة مبكرًا إلى السوق، واحتمالات الانخفاض مع اقتراب العيد ورغبة “الكسابة” في تصريف ما تبقى من القطعان، يعيش سوق الأضاحي على إيقاع الترقب والحذر أكثر مما يعيش على منطق اليقين.
نوفل بن يحيى، وهو كساب أغنام، يرى أن الارتفاع الحالي لم يأت من فراغ، بل هو نتيجة مباشرة لسلسلة طويلة من الضغوط التي بدأت من المصدر. فتكلفة اقتناء الخراف ارتفعت، والأعلاف أصبحت تستنزف الفلاحين والكسابة على حد سواء، بينما انعكس ذلك كله على السعر النهائي الذي يواجهه المواطن داخل السوق أو عند الجزار. وبالنسبة له، فإن الأسعار المعروضة في الأسواق الممتازة، خصوصًا بالنسبة إلى سلالة “الصردي”، ليست سوى صورة أخرى للأزمة نفسها، حتى وإن اختلفت طرق العرض والتسويق.
لكن خلف الأرقام والأسعار، يكشف السوق عن مفارقة اجتماعية واضحة؛ فالإقبال القوي حاليًا يأتي أساسًا من الفئات القادرة على الشراء المبكر، ممن يملكون السيولة الكافية لتفادي ضغط الأيام الأخيرة. أما الطبقة المتوسطة والفئات الهشة، فما تزال تراقب المشهد من بعيد، مترقبة لحظة قد تنخفض فيها الأسعار أو على الأقل تصبح أقل قسوة على ميزانيتها المنهكة أصلًا بفواتير المعيشة.
هذا التفاوت في توقيت الشراء لا يعكس فقط اختلافًا في القدرة المالية، بل يكشف أيضًا عن تحولات في البنية الاجتماعية للاستهلاك بالمغرب. فالعيد، الذي كان تاريخيًا مناسبة جامعة تتشابه فيها الطقوس بين مختلف الطبقات، صار بدوره يخضع لمنطق الفرز الاقتصادي؛ حيث تتحول القدرة على اقتناء الأضحية في وقت مبكر إلى مؤشر ضمني على الوضع الاجتماعي.
في المقابل، يعتقد ميلود الرماح، وهو فلاح وكساب من شيشاوة، أن السوق لا يزال يحتفظ بمنطق داخلي قد يعيد التوازن خلال الأيام الأخيرة قبل العيد. فمع اقتراب الموعد، ترتفع رغبة الكسابة في البيع لتفادي الاحتفاظ بالقطعان، ما يؤدي عادة إلى زيادة العرض وتراجع تدريجي للأسعار. لذلك يتوقع أن تكون عطلة نهاية الأسبوع الأخيرة قبل العيد حاسمة، خصوصًا مع صرف أجور الموظفين ودخول فئات واسعة إلى السوق دفعة واحدة.
حديث الرماح عن “الشناقة” والوسطاء يفتح بدوره بابًا آخر للنقاش حول بنية سوق الأضاحي بالمغرب. فوجود الوسيط لم يعد مجرد حلقة إضافية بين الفلاح والمستهلك، بل تحول أحيانًا إلى عنصر يتحكم في توازنات السوق وأسعاره. بعض المواطنين يفضلون التعامل مع الوسيط لأنه أكثر مرونة في التفاوض، بينما يرى آخرون أن تعدد الوسطاء يزيد من تعقيد الأسعار ويرفع الهوامش على حساب المستهلك النهائي.
وسط هذا المشهد، تبدو الأسواق الممتازة وكأنها تقدم نموذجًا جديدًا لاستهلاك الأضاحي، قائمًا على التنظيم والتغليف والثقة في الجودة، لكنها في الوقت نفسه تكرس انتقال جزء من طقوس العيد من الفضاء الشعبي المفتوح إلى منطق الاستهلاك التجاري الحديث. غير أن تأثيرها على “الرحبات” التقليدية يبقى محدودًا نسبيًا، لأن منطق السوق الشعبي ما يزال محكومًا بعوامل مختلفة، أهمها العرض والطلب، والعلاقات المباشرة، والتفاوض اللحظي بين البائع والمشتري.
ورغم كل المؤشرات المتضاربة، فإن الحقيقة الأكثر وضوحًا هي أن سوق الأضاحي لم يعد مجرد فضاء للبيع والشراء، بل صار اختبارًا سنويًا لقدرة المجتمع على التكيف مع التحولات الاقتصادية المتسارعة. فكل ارتفاع في الأسعار لا ينعكس فقط على الجيوب، بل يمتد إلى الشعور الجماعي بالأمان الاجتماعي، وإلى صورة الطبقة المتوسطة التي تجد نفسها عامًا بعد آخر أمام معركة جديدة للحفاظ على تفاصيل كانت تعتبر يومًا من البديهيات.
وفي النهاية، قد تنخفض الأسعار فعلًا في الساعات الأخيرة، وقد تستقر أو ترتفع أكثر، لكن السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه يتجاوز ثمن “الحولي” نفسه: إلى أي حد يمكن للمجتمع أن يحافظ على طقوسه الجماعية ومعانيه التضامنية، حين تتحول المناسبات الدينية شيئًا فشيئًا إلى امتحان اقتصادي ثقيل يفرز الناس وفق قدرتهم على مجاراة السوق؟