مفاوضات لبنان وإسرائيل في واشنطن.. كلامٌ كثيرٌ خلف الأبواب المغلقة

0
52
دخلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية في الولايات المتحدة مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد الحديث عن إمكانية الانتقال من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار إلى تفاهمات أوسع تتعلق بالحدود البرية والأسرى ومستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان، وسط رعاية أمريكية مباشرة وضغوط دولية متزايدة لمنع عودة الحرب على نطاق واسع.
مارك روبيو وزير الخارجية الأمريكي يتحدث خلال استقبال سفيري لبنان وإسرائيل في مقر الخارجية الأمريكية - مصدر الصورة: رويترز

دخلت المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية الجارية في الولايات المتحدة مرحلة شديدة الحساسية، مع تصاعد الحديث عن إمكانية الانتقال من مجرد وقف مؤقت لإطلاق النار إلى تفاهمات أوسع تتعلق بالحدود البرية والأسرى ومستقبل الوضع الأمني في جنوب لبنان، وسط رعاية أمريكية مباشرة وضغوط دولية متزايدة لمنع عودة الحرب على نطاق واسع.

وبحسب ما أعلنته الإدارة الأمريكية، فإن واشنطن تستضيف منذ أسابيع جولات تفاوضية مباشرة وغير مباشرة بين ممثلين عن لبنان وإسرائيل بهدف تثبيت وقف الأعمال العدائية ومنع انهيار التهدئة الهشة على الحدود الجنوبية. وذكرت وكالة رويترز وتقارير إعلامية دولية أن الاجتماعات عُقدت بمشاركة مسؤولين أمريكيين كبار بينهم وزير الخارجية مارك روبيو ومبعوثون أمنيون ودبلوماسيون من الجانبين اللبناني والإسرائيلي.

واشنطن تدفع نحو “اتفاق أوسع”

أكد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب في تصريحات رسمية أن بلاده تعمل على “تحقيق تقدم حقيقي” بين لبنان وإسرائيل، معلنًا تمديد وقف إطلاق النار بين الطرفين لثلاثة أسابيع إضافية بعد اجتماعات رفيعة المستوى في البيت الأبيض. كما أوضح ترامب أن المفاوضات الحالية لا تقتصر فقط على وقف القتال، بل تشمل ملفات أكثر تعقيدًا مثل الأمن الحدودي وترسيم الحدود البرية وإطلاق المحتجزين وتهيئة الظروف لـ”سلام دائم”.

وذكرت وزارة الخارجية الأمريكية، في بيان نشرته وسائل إعلام دولية، أن المفاوضات ترتكز على ست نقاط رئيسية تشمل تثبيت وقف إطلاق النار، ومنع أي عمليات هجومية متبادلة، وانتشار الجيش اللبناني جنوبًا، والدخول في مفاوضات مباشرة لمعالجة جميع القضايا العالقة بين الجانبين. كما أكدت واشنطن أنها ستواصل لعب دور الضامن والميسر لهذه المحادثات.

ماذا يريد لبنان؟

من جهته، شدد الرئيس اللبناني جوزيف عون على أن الأولوية اللبنانية تتمثل في وقف “الخروقات الإسرائيلية” والانسحاب من الأراضي التي لا تزال القوات الإسرائيلية تسيطر عليها داخل الجنوب اللبناني، إضافة إلى وقف عمليات تدمير المنازل والبنية التحتية في القرى الحدودية. وأوضح عون، بحسب تصريحات نقلتها وسائل إعلام عربية ودولية، أن بيروت لن تنتقل إلى مرحلة تفاوض سياسي أوسع قبل تثبيت وقف النار بشكل كامل.

كما كشفت السفيرة اللبنانية لدى الولايات المتحدة ندى حمادة معوض، بعد مشاركتها في الاجتماعات بواشنطن، أن الوفد اللبناني طالب بضمانات أمريكية واضحة لوقف الضربات الإسرائيلية ضد المدنيين، مؤكدة أن “حماية المدنيين والبنى التحتية أولوية قصوى”. وأضافت أن لبنان يتمسك بحدوده المعترف بها دوليًا ويريد انسحابًا إسرائيليًا كاملاً من المناطق التي احتلتها القوات الإسرائيلية خلال الأشهر الأخيرة.

وبحسب تقارير صحفية لبنانية ودولية، فإن بيروت تسعى أيضًا إلى إعادة ملف ترسيم الحدود البرية إلى طاولة التفاوض، بعد نجاح اتفاق ترسيم الحدود البحرية في السنوات الماضية، معتبرة أن معالجة النقاط الحدودية المتنازع عليها قد تشكل مدخلًا أساسيًا لخفض التوتر طويل المدى.

المطالب الإسرائيلية والهاجس الأمني

في المقابل، تركز إسرائيل خلال المفاوضات على الملف الأمني، خاصة ما يتعلق بنشاط حزب الله في جنوب لبنان. ووفق ما نقلته تقارير إسرائيلية وأمريكية، فإن حكومة بنيامين نتنياهو تطالب بضمانات فعلية تمنع إعادة تموضع قوات الحزب قرب الحدود، مع تعزيز انتشار الجيش اللبناني والقوات الدولية في المنطقة الجنوبية.

كما أكدت تل أبيب، وفق النص الأمريكي لاتفاق وقف إطلاق النار، أنها تحتفظ بحق “الدفاع عن النفس” ضد أي تهديدات وشيكة، وهو بند يثير حساسية كبيرة داخل لبنان بسبب الخشية من استخدامه لتبرير استمرار الضربات الجوية الإسرائيلية. وفي الوقت نفسه، تصر إسرائيل على أن أي اتفاق دائم يجب أن يضمن إبعاد التهديدات الصاروخية عن شمال إسرائيل.

وذكرت تقارير إعلامية إسرائيلية وغربية أن تل أبيب تنظر إلى المفاوضات الحالية باعتبارها فرصة لإعادة صياغة الوضع الأمني على الحدود الشمالية بصورة مختلفة عما كان قائمًا قبل الحرب الأخيرة، بينما ترى أطراف لبنانية أن إسرائيل تحاول فرض وقائع ميدانية جديدة تحت غطاء التفاوض.

مفاوضات خلف الأبواب المغلقة

كشفت صحيفة “الشرق” وتقارير لبنانية أن بعض جلسات التفاوض جرت بعيدًا عن الإعلام وخلف “أبواب مغلقة”، في ظل تعقيدات سياسية وأمنية كبيرة. وأوضحت المصادر أن واشنطن تضغط باتجاه توسيع جدول الأعمال ليشمل مستقبل العلاقات بين البلدين، وليس فقط ترتيبات أمنية مؤقتة.

كما تحدثت تقارير إعلامية عن ضغوط أمريكية لدفع لبنان إلى تخفيف القيود القانونية المتعلقة بالتواصل مع إسرائيل، في إطار رؤية أمريكية أوسع لفتح مسار سياسي تدريجي بين الجانبين، إلا أن هذا الملف يواجه رفضًا واسعًا داخل الأوساط اللبنانية السياسية والشعبية.

وفي السياق ذاته، أكدت مراكز أبحاث استراتيجية غربية أن الإدارة الأمريكية ترى في نجاح هذه المفاوضات فرصة لإعادة ترتيب المشهد الإقليمي وتقليل احتمالات اندلاع حرب شاملة جديدة على الحدود اللبنانية الإسرائيلية، خصوصًا مع استمرار التوترات في غزة وإيران وسوريا.

هل تنجح المفاوضات؟

حتى الآن، تبدو فرص التوصل إلى اتفاق شامل معقدة، لكن المؤشرات الحالية توحي بأن جميع الأطراف تحاول منع انهيار التهدئة. فواشنطن تريد إنجازًا دبلوماسيًا كبيرًا في الشرق الأوسط، ولبنان يسعى إلى وقف الضربات الإسرائيلية واستعادة الاستقرار جنوبًا، بينما تحاول إسرائيل فرض ترتيبات أمنية طويلة الأمد على حدودها الشمالية.

غير أن العقبات لا تزال كبيرة، خصوصًا في ظل استمرار العمليات العسكرية المحدودة والتباين العميق بين رؤية الطرفين لمستقبل الجنوب اللبناني وسلاح حزب الله. ويرى مراقبون أن المفاوضات قد تنجح في تثبيت هدنة طويلة نسبيًا، لكنها ما زالت بعيدة عن إنتاج سلام كامل أو تسوية نهائية للصراع بين البلدين.