سعد لمجرد.. من عرش النجومية إلى قفص الإدانة الفرنسية: السجن 5 سنوات في قضية اغتصاب تعود إلى 2018

0
119

في الممرات الباردة للمحاكم، لا تُقاس الأحكام فقط بعدد السنوات التي تُنطق بها القاضية، بل بما تتركه من ارتجاج داخل صورةٍ صنعها الفن والشهرة والجمهور. فحين يتحول اسم اعتاد الناس ترديده في الحفلات والمنصات الموسيقية إلى عنوان دائم في ملفات القضاء، يصبح السؤال أكبر من قضية جنائية عابرة؛ إذ يتعلق الأمر بالمسافة الخطيرة بين “النجم” و”الإنسان”، وبين السلطة الرمزية التي تمنحها الشهرة وحدود القانون الذي لا يعترف بالأضواء.

قضت محكمة الجنايات بمدينة دراغينيان الفرنسية بإدانة الفنان المغربي سعد لمجرد بالسجن خمس سنوات، في القضية التي تعود إلى صيف 2018 بمدينة سان تروبيه جنوب فرنسا، بعد اتهامه باغتصاب شابة قال القضاء إن الوقائع المعروضة أمامه كانت كافية لإدانته. الحكم جاء بعد أسبوع من جلسات المحاكمة، حيث طالب الادعاء العام بعشر سنوات سجنا، قبل أن تُصدر المحكمة قرارها النهائي، مع إلزامه بدفع تعويض مالي للمشتكية ومصاريف الدفاع.

لكن القضية، في عمقها، لم تعد مجرد مواجهة بين روايتين داخل قاعة المحكمة. فمنذ سنوات، تحول اسم سعد لمجرد إلى نموذج معقد لتشابك الفن بالقانون والرأي العام. فالرجل الذي صنع واحدة من أكبر الظواهر الموسيقية العربية خلال العقد الأخير، وجد نفسه في المقابل محاطا بسلسلة من القضايا والاتهامات التي ظلت تلاحقه داخل فرنسا وخارجها، إلى درجة أن كل عودة فنية جديدة كانت تصطدم بعودة موازية للنقاش القضائي والأخلاقي حوله.

في فرنسا، حيث تُعد قضايا العنف الجنسي من أكثر الملفات حساسية داخل المجتمع والمؤسسات، لم يعد القضاء يتعامل مع “صورة المشهور” باعتبارها عنصر تخفيف أو حماية. بل إن التحولات الاجتماعية التي شهدتها أوروبا بعد موجات النقاش العالمية حول الاعتداءات الجنسية، خاصة منذ صعود حملات مثل MeToo، جعلت المحاكم والرأي العام أكثر تشددا تجاه أي قضية ترتبط بموافقة المرأة وحدود الرضا داخل العلاقات الخاصة.

ولهذا حمل قرار محكمة الاستئناف الفرنسية سنة 2021 دلالة عميقة عندما أكدت أن مرافقة امرأة لرجل إلى غرفته لا تعني تلقائيا موافقتها على علاقة جنسية. لم تكن تلك مجرد ملاحظة قانونية تقنية، بل تعبيرا عن تحول فلسفي وقانوني داخل المجتمعات الغربية حول معنى “الرضا” وحدود السلطة النفسية والاجتماعية التي قد تحيط بالعلاقات بين الرجال والنساء، خاصة حين يكون أحد الطرفين شخصية معروفة وذات نفوذ رمزي.

داخل المغرب والعالم العربي، أعادت القضية بدورها فتح انقسام قديم بين من يفصلون بين الفنان وحياته الشخصية، وبين من يعتبرون أن الشهرة تمنح صاحبها تأثيرا أخلاقيا أيضا، وليس فقط حضورا فنيا. فخلال السنوات الماضية، ظل سعد لمجرد يحظى بقاعدة جماهيرية واسعة تدافع عنه وتعتبره ضحية لحملات استهداف أو تضخيم إعلامي، بينما رأى آخرون أن تكرار القضايا والاتهامات يفرض طرح أسئلة أكثر عمقا حول طبيعة العلاقة بين النجومية والمحاسبة.

المثير في هذه القضايا أن الرأي العام العربي غالبا ما ينقسم وفق منطق عاطفي أكثر منه قانوني. فجزء من الجمهور يتعامل مع الفنان باعتباره “ملكا للجمهور”، أي أن نجاحه الفني يتحول إلى نوع من الحصانة الرمزية التي تجعل الاعتراف بإدانته أمرا صادما أو مرفوضا نفسيا. وفي المقابل، يظهر تيار آخر يعتبر أن استمرار تبرير سلوك المشاهير يعكس أزمة أوسع داخل المجتمعات التي ما تزال تتردد في التعامل الجاد مع قضايا العنف ضد النساء.

اقتصاديا أيضا، لا تتوقف تداعيات القضية عند الجانب القضائي فقط. فصورة الفنان داخل سوق الإنتاج الموسيقي والإعلانات والحفلات الدولية أصبحت مرتبطة أكثر من أي وقت مضى بمعايير السمعة والسلوك الشخصي. شركات الإنتاج والمنصات الكبرى لم تعد تنظر إلى الفنان باعتباره “صوتا ناجحا” فقط، بل كعلامة تجارية كاملة قد تتحول أي أزمة أخلاقية فيها إلى خسارة مالية وإعلامية ضخمة.

ورغم أن الحكم الحالي لا يعني نهاية المسار القضائي بشكل نهائي، خاصة مع إمكانية الاستئناف، إلا أن القضية تكشف شيئا أعمق من مصير فنان بعينه. إنها تعكس كيف تغير العالم في علاقته مع السلطة والنجومية والجسد والمرأة، وكيف أصبحت المجتمعات الحديثة تعيد تعريف مفاهيم كانت لسنوات طويلة تُترك في المنطقة الرمادية بين الأخلاق والقانون والصمت.

وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل انتهت مسيرة سعد لمجرد الفنية أم لا؟ بل ربما السؤال الأعمق هو: إلى أي حد تستطيع المجتمعات العربية أن تفصل بين الإعجاب بالنجوم وبين الإيمان بأن العدالة يجب أن تبقى أعلى من الشهرة؟