في لحظة سياسية تبدو فيها الثقة بين المواطن والفعل الحزبي واحدة من أكثر الأسئلة إلحاحًا في المشهد المغربي، اختار حزب الحركة الشعبية أن يقدّم نفسه من جديد من خلال خطاب مختلف في الشكل على الأقل، عنوانه “التعاقد الحركي”، تحت شعار لافت: “جا الوقت”. لم يكن اللقاء الذي احتضنه فندق فيرمونت بمارينا سلا مجرد محطة تنظيمية عادية، بل بدا أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب العلاقة بين الحزب وواقعه الاجتماعي والسياسي، عبر طرح فكرة تقوم على الانتقال من الوعود العامة إلى التزامات محددة قابلة للقياس والمتابعة.
في خلفية هذا اللقاء، يظهر إدراك متزايد لدى الفاعلين السياسيين بأن زمن الخطاب التقليدي الذي يكتفي بإعلان النوايا لم يعد كافيًا لإقناع مواطن يعيش تحت ضغط متصاعد للمعيش اليومي، وتقلّبات اقتصادية تؤثر مباشرة على تفاصيل حياته. من هنا، قدّم الأمين العام للحزب، محمد أوزين، تصورًا يعتبره الحزب مدخلًا جديدًا لإعادة بناء جسور الثقة، عبر ربط المسؤولية السياسية بمنطق التتبع والتقييم، وكأن السياسة هنا تحاول الاقتراب أكثر من لغة التدبير بدل الاكتفاء بلغة الشعارات.
غير أن جوهر “التعاقد” كما تم تقديمه لا يقف عند حدود إعادة صياغة الخطاب السياسي، بل يمتد إلى محاولة تفكيك مجموعة من الإشكالات الاجتماعية والاقتصادية التي تشكل اليوم محور النقاش العمومي في المغرب. فمحور القدرة الشرائية، على سبيل المثال، يعكس انشغالًا واسعًا لدى المواطنين في ظل موجات الغلاء المتتالية التي طالت المواد الأساسية وأعادت ترتيب أولويات الأسر، ما جعل سؤال “المعيشة اليومية” يتقدم على ما عداه في سلم الاهتمام العام.
في هذا السياق، يطرح الحزب تصورًا يهدف إلى حماية المستهلك وتخفيف الضغط عن الفئات المتوسطة والهشة، وهي فئات باتت تشكل مركز الثقل في النقاش الاجتماعي، خاصة مع اتساع الفوارق وتزايد الإحساس بعدم التوازن بين الدخل وتكاليف الحياة. لكن هذا الطرح، رغم طابعه الاجتماعي الواضح، يفتح أيضًا سؤالًا أعمق حول قدرة البرامج السياسية على التحول من تشخيص الواقع إلى إنتاج أدوات فعلية لتغييره.
أما في مجال التعليم، فيبدو أن الرهان يتجه نحو إعادة الاعتبار للمدرسة العمومية باعتبارها فضاءً لإنتاج الفرص وليس فقط نقل المعرفة. الحديث عن ربط التعليم بسوق الشغل يعكس وعيًا متزايدًا بالفجوة بين التكوين ومتطلبات الاقتصاد، وهي فجوة تتكرر في العديد من النقاشات المرتبطة ببطالة الشباب وصعوبة الاندماج المهني، بما يجعل الإصلاح التعليمي ليس فقط خيارًا قطاعيًا، بل قضية مجتمعية مرتبطة بمستقبل النموذج التنموي نفسه.
وفي امتداد هذا التصور، يبرز قطاع الصحة كأحد أكثر الملفات حساسية، حيث تتقاطع فيه أسئلة العدالة الاجتماعية مع إشكالات البنية التحتية وجودة الخدمات. الطرح المقدم ضمن “التعاقد الحركي” يقوم على تحسين الولوج إلى العلاج وتجويد العرض الصحي، وهي عناوين تعكس حجم التحدي الذي يواجه المنظومة الصحية، خاصة في ما يتعلق بتقليص الفوارق بين المجالين الحضري والقروي، وبين الإمكانيات المتاحة في مختلف الجهات.
الشق الاقتصادي بدوره يحضر بقوة في هذا التصور، من خلال التركيز على دعم المقاولات الصغرى والمتوسطة باعتبارها محركًا أساسيًا لخلق فرص الشغل، إلى جانب تشجيع الاستثمار المنتج بدل الاستثمارات ذات الطابع الريعي أو المحدود الأثر الاجتماعي. هذا التوجه يعكس إدراكًا بأن أي إصلاح اقتصادي لا يمكن أن ينجح دون إعادة توزيع أفضل لفرص النمو داخل النسيج الاقتصادي الوطني.
وفي ما يتعلق بقطاع السكن، يطرح الحزب رؤية تركز على تعزيز الحق في السكن اللائق، في سياق اجتماعي يعرف ضغطًا متزايدًا على المدن الكبرى، وارتفاعًا في الطلب على السكن مقابل تحديات مرتبطة بالعرض والتكلفة والتخطيط الحضري. هذا الملف يظل واحدًا من أكثر الملفات ارتباطًا بالحياة اليومية للمواطن، لأنه يمس الاستقرار الاجتماعي بشكل مباشر.
أما الثقافة والرياضة، فيتم تقديمهما كرافعتين لا تقلان أهمية عن الاقتصاد أو التعليم، بل كفضاءين لتشكيل الوعي الجماعي وصناعة الانتماء. في هذا التصور، لا تُختزل الثقافة في بعدها الرمزي، بل تُربط بالتنمية، فيما تُقدم الرياضة كمساحة لتأطير الشباب وإعادة توجيه الطاقات نحو التميز بدل الهدر الاجتماعي أو الانغلاق.
ولا يغيب عن هذا البناء مفهوم العدالة الاجتماعية، الذي يشكل خيطًا رابطًا بين مختلف المحاور، عبر هدف تقليص الفوارق المجالية والاجتماعية، في بلد ما زالت فيه التباينات بين الجهات وبين المدن والقرى تطرح أسئلة حادة حول توزيع الثروة والخدمات. إلى جانب ذلك، يبرز محور البيئة والتنمية المستدامة كإشارة إلى التحولات العالمية المرتبطة بالمناخ والموارد الطبيعية، وما تفرضه من إعادة التفكير في نماذج التنمية التقليدية.
لكن النقطة الأكثر حساسية في هذا الطرح تبقى مرتبطة بالحكامة ومحاربة الفساد وتعزيز الشفافية، باعتبارها شروطًا أساسية لأي حديث عن الثقة السياسية. فالإشكال في السياق الحزبي لا يتعلق فقط بوجود برامج أو غيابها، بل بمدى قدرة هذه البرامج على ترجمة نفسها إلى التزامات فعلية داخل المؤسسات، وإلى آليات رقابة تمنع تحول الوعود إلى مجرد خطاب انتخابي عابر.
في العمق، يبدو “التعاقد الحركي” محاولة لإعادة تعريف العلاقة بين الحزب والمجتمع، من منطق يقوم على تقديم الوعود إلى منطق يقوم على الالتزام القابل للتقييم. وهي نقلة تعكس إدراكًا بأن الزمن السياسي لم يعد يسمح بالفجوة الواسعة بين الخطاب والتنفيذ، وأن المواطن أصبح أكثر ميلاً لقياس الفعل السياسي بقدر ما يلمس أثره المباشر في حياته اليومية.
لكن بين الطموح المعلن وإكراهات الواقع، يظل السؤال مفتوحًا حول قدرة هذا النوع من المبادرات على الصمود أمام تعقيدات المشهد السياسي، وتعدد الفاعلين، وتداخل المستويات المؤسساتية. فإعادة بناء الثقة لا ترتبط فقط بصياغة “تعاقد” جديد، بل بمدى القدرة على تحويل هذا التعاقد إلى ممارسة يومية داخل السياسات العمومية.
وهكذا، لا يبدو النقاش الذي فتحه هذا اللقاء مجرد إعلان عن برنامج سياسي، بقدر ما هو إعادة طرح لسؤال أعمق: هل يمكن للسياسة أن تتحول من فضاء للخطاب إلى فضاء للالتزام المحسوب؟ وهل يكفي تغيير لغة الخطاب لإعادة بناء الثقة، أم أن الأمر يتطلب إعادة هندسة العلاقة بين المواطن والدولة على أسس أكثر وضوحًا وصرامة في المحاسبة والنتائج؟