“العيد الكبير” لم يعد كبيرًا… كيف حوّل الغلاء والتفاخر والضغط الاجتماعي أضحية العيد إلى كابوس يطارد الأسر المغربية؟

0
106

في صباح العيد، لا تحتاج المدن المغربية إلى ساعة حائط كي تعرف أن الوقت قد حان. يكفي أن تفتح نافذتك مع أول خيط للفجر، لتسمع التكبيرات تتسلل من المساجد، وترى الأطفال بجلابيبهم الجديدة يركضون خلف آبائهم في الأزقة، وتشم رائحة القهوة والبخور والكسكس والشواء المختلطة بذاكرة جماعية عمرها قرون. في مثل هذه اللحظات، يبدو المغرب وكأنه يوقف ضجيج الحياة اليومية مؤقتا، ليستعيد صورته القديمة كبلد يحتمي بالدفء العائلي والطقوس الجماعية كلما اشتدت قسوة الواقع.

هكذا بدا صباح عيد الأضحى هذه السنة في الرباط وسلا ومدن مغربية كثيرة؛ صلاة مكتظة بالمصلين، عائلات كاملة خرجت منذ الفجر، رجال بجلابيب بيضاء، نساء بأزياء تقليدية، أطفال يلتقطون الصور، وشوارع أقل صخبا من المعتاد. لكن خلف هذا المشهد الروحاني الذي يبدو متماسكا من الخارج، كانت هناك قصة أخرى تتحرك بصمت داخل البيوت والقلوب. قصة عيد جاء هذه السنة بطعم الغلاء، والخوف، والضغط الاجتماعي، والقلق الصامت الذي عاشته آلاف الأسر قبل أن تصل إلى المصلى.

في محيط المصليات، لم يكن الحديث هذه السنة عن العيد فقط، بل عن الأسعار أيضا. عن “الحولي” الذي تجاوز ثمنه خمسة آلاف وستة آلاف درهم، وعن أسر ظلت حتى آخر ليلة تبحث عن أضحية بثمن “معقول” دون جدوى، وعن آباء عادوا من الأسواق بوجوه منهكة لأن القدرة الشرائية لم تعد تقوى على مجاراة جنون الأسعار. لم يعد الغلاء مجرد رقم اقتصادي تتداوله التقارير الرسمية، بل تحول إلى شعور يومي يسكن تفاصيل الناس الصغيرة، ويظهر بوضوح في المناسبات الدينية التي يفترض أن تكون لحظات للطمأنينة لا مواسم للقلق الجماعي.

في السنوات الماضية، كان عيد الأضحى بالنسبة إلى فئات واسعة من المغاربة مناسبة دينية واجتماعية تحفظ الحد الأدنى من التوازن النفسي داخل الأسرة. أما اليوم، فقد صار عند كثيرين امتحانا قاسيا للقدرة المالية، واختبارا مرهقا أمام المجتمع والجيران والأبناء. فعدد كبير من الأسر لم يعد يشتري الأضحية لأنه قادر فعلا على ذلك، بل لأنه يخشى الشعور بالعجز أو الإحراج أو “كلام الناس”. وهنا تحديدا تبدأ المأساة الحقيقية؛ حين تتحول شعيرة مرتبطة بالاستطاعة والرحمة إلى ضغط اجتماعي خانق، وحين يصبح الخوف من نظرة المجتمع أقوى من راحة الأسرة واستقرارها المالي.

المؤلم في كل هذا، ليس فقط أن أسرا كثيرة عجزت عن شراء الأضحية، بل أن بعضها صار يشعر وكأنه خارج “المشهد الاجتماعي للعيد”. كأن قيمة الإنسان أصبحت تقاس بحجم الكبش الذي يجره إلى بيته، لا بأخلاقه ولا بإيمانه ولا بقدرته على حماية أسرته من الحاجة. لهذا اختارت أسر كثيرة هذا العام أن تحافظ على الحد الأدنى من أجواء العيد دون ذبح؛ اشترت ملابس للأطفال، أعدت أكلات بسيطة، وحرصت على الذهاب إلى المصلى فقط حتى لا يشعر الأبناء بأن بيتهم مختلف عن باقي البيوت.

لكن حتى هذا “العيد الرمزي” لم يكن يخلو من الألم الصامت. فخلف ابتسامات الأمهات، كانت هناك دموع مؤجلة، وخلف صور الأطفال، كانت هناك ديون جديدة تتراكم بصمت داخل دفاتر القروض والسلف الصغيرة. كثير من الأسر دخلت هذا العيد مثقلة أصلا بغلاء المعيشة وارتفاع أسعار المواد الأساسية، ثم وجدت نفسها مضطرة إلى الاقتراض فقط حتى لا تمر المناسبة بشكل “غير طبيعي”. وهكذا، تحولت الأضحية عند بعض الفقراء ومتوسطي الدخل من سنّة دينية إلى دين مؤجل، ومن لحظة فرح إلى بداية نزيف مالي قد يستمر أشهرا طويلة بعد العيد.

ولعل أكثر المشاهد قسوة، ذلك الذي صار يتكرر كل سنة بصمت داخل بعض الأحياء الشعبية؛ أسر تبيع جزءا من لحم الأضحية بعد ساعات فقط من الذبح، لا لأنها تملك فائضا، بل لأنها تحاول استرجاع جزء من المال الذي استدانته. لحوم العيد تتحول إلى وسيلة لسداد الأقساط والديون، وكأن المناسبة لم تعد بابا للفرح بقدر ما أصبحت دورة اقتصادية مؤلمة للفقراء. بل إن بعض الأسر تبيع حتى اللحوم التي تتوصل بها من المحسنين، ليس طمعا، بل لأن الأولويات تغيرت؛ فهناك دواء يجب شراؤه، أو فاتورة كهرباء مؤجلة، أو مصاريف مدرسة تنتظر الدخول المقبل.

هذا التحول لا يكشف فقط أزمة اقتصادية، بل يكشف أيضا تحولا اجتماعيا وثقافيا عميقا. فقد صار العيد عند بعض الفئات مرادفا للاستهلاك والاستعراض أكثر مما هو مناسبة للتقوى والتكافل. الأسواق تحولت إلى فضاءات للمنافسة حول السلالات والأحجام والأسعار، ومواقع التواصل الاجتماعي امتلأت بصور الأضاحي والولائم و”إنجازات العيد”، حتى بدا أحيانا أن قيمة المناسبة تقاس بعدد الصور المنشورة أكثر مما تقاس بمعاني الرحمة والعطاء التي قامت عليها الشعيرة.

لقد تغير شيء عميق داخل المجتمع. الأطفال أنفسهم صاروا يقارنون بين أضاحي الأسر، ويتباهون بالقرون والصوف والثمن، بدل الحديث عن قيم المشاركة والإحسان. وهكذا، يُعاد إنتاج منطق التفاوت الطبقي داخل وعي الأجيال الصغيرة منذ الطفولة، فيكبر بعضهم وهم يربطون الكرامة بالمظهر والقدرة الشرائية، لا بالقيم والأخلاق والعمل والتضامن.

وفي مقابل هذا المشهد، تضيع واحدة من أهم الرسائل الأصلية لعيد الأضحى؛ أن يشعر الفقير بأن له مكانة داخل المجتمع، وأن يتحول العيد إلى لحظة لتقاسم الفرح لا لقياس الفوارق الاجتماعية. فالأضحية في جوهرها ليست سباقا نحو الكبش الأغلى، بل بابا للتكافل الحقيقي. ما أجمل أن يغادر محتاج بيتا محملا ببعض اللحم، لكن أيضا محملا بالإحساس بالكرامة والاهتمام الإنساني. وما أقسى أن يتحول العيد عند البعض إلى مناسبة يشعر فيها الفقير بأنه مجرد متفرج على فرحة الآخرين.

وسط كل هذا، يبقى المشهد الأكثر إثارة للتأمل هو ذلك الإصرار الجماعي للمغاربة على الحفاظ على روح العيد رغم كل شيء. فرغم الغلاء، والديون، والتحولات الاجتماعية، ما يزال الناس يخرجون فجرا نحو المصليات، يرتدون أجمل ما لديهم، ويتبادلون التهاني، ويتمسكون بتلك اللحظة النادرة التي يشعرون فيها بأن المجتمع ما يزال متماسكا ولو مؤقتا. في صفوف الصلاة، يقف الغني والفقير جنبا إلى جنب، يرددون التكبيرات نفسها، ويلبسون الجلابيب نفسها تقريبا، وكأن العيد يحاول للحظات قصيرة أن يعيد إنتاج فكرة المساواة التي تآكلت خارج أسوار المصلى.

ربما لهذا السبب بالذات، تبدو صلاة العيد عند المغاربة أكثر من مجرد شعيرة دينية. إنها محاولة جماعية لمقاومة الإحباط والخوف والعزلة الاجتماعية. محاولة للتمسك بفكرة أن المجتمع ما يزال قادرا على إنتاج الدفء الإنساني رغم كل التحولات القاسية التي يعيشها. فحين يصبح الحفاظ على الفرح نفسه شكلا من أشكال المقاومة اليومية، يدرك الناس أن الأزمة لم تعد اقتصادية فقط، بل أصبحت أزمة معنى أيضا.

ولهذا، فإن السؤال الحقيقي الذي يطرحه عيد هذا العام ليس لماذا ارتفعت أسعار الأضاحي فقط، بل كيف وصل المجتمع إلى مرحلة صار فيها الفقير يخاف من يوم العيد بدل أن ينتظره بطمأنينة؟ وكيف تحولت شعيرة الرحمة إلى مصدر ضغط نفسي عند آلاف الأسر؟ وكيف صار كثير من الناس يخشون نظرة المجتمع أكثر مما يخشون الوقوع في الرياء والتكلف والتبذير؟

لعل المغاربة اليوم ليسوا في حاجة فقط إلى أسواق أكثر تنظيما أو أسعار أقل التهابا، بل في حاجة إلى إعادة اكتشاف المعنى الحقيقي للعيد نفسه. في حاجة إلى إعادة الاعتبار لفكرة التكافل بدل التباهي، وللقيمة الروحية بدل الاستعراض الاجتماعي، وللإنسان بدل المظاهر. لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع، ليس أن ترتفع فيه الأسعار فقط، بل أن يفقد بالتدريج قدرته على حماية المعاني الجميلة التي كانت تمنح الناس الإحساس بالأمان والانتماء والكرامة.

لهذا يبدو السؤال الذي يتركه عيد هذا العام معلقا في وجدان كثير من المغاربة أكبر بكثير من ثمن الأضحية أو حجم الغلاء: هل ما يزال العيد مناسبة للرحمة والتقوى والتضامن كما أرادته القيم الدينية والإنسانية؟ أم أنه يتحول شيئا فشيئا إلى مرآة قاسية تكشف اتساع الفوارق الاجتماعية، وتحوّل الفرح نفسه إلى عبء نفسي ومالي على الفقراء والطبقة المتوسطة؟

ربما لهذا تحديدا، لم يعد كثير من المغاربة يبحثون فقط عن “حولي” بثمن مناسب، بل عن معنى قديم للعيد… معنى يجعل الإنسان يشعر بأنه جزء من الجماعة حتى لو لم يملك أضحية، ويجعله يحس أن الكرامة لا تُقاس بما يُذبح داخل البيوت، بل بما يبقى داخل القلوب من رحمة وتكافل وإنسانية.