في كرة القدم، كما في السياسة، لا تُختبر القيادات في لحظات الفرح، بل في لحظات الانكسار. فالانتصارات تُنتج تلقائياً صوراً براقة، أما الهزائم فهي التي تكشف معدن المسؤولين، وحدود التزامهم الأخلاقي، وقدرتهم على تقاسم الكلفة المعنوية مع من يحملون عبء المنافسة فوق المستطيل الأخضر. ولهذا ظل المثل القديم يحتفظ براهنيته: “للنجاح آباء كثيرون، أما الهزيمة فهي يتيمة.” لكنه في بعض الأحيان لا يبقى مجرد حكمة شعبية، بل يتحول إلى عدسة تكشف طبيعة ممارسة السلطة داخل المؤسسات الرياضية، وكيف تُدار العلاقة بين المسؤول والإنجاز، وبين المسؤول والإخفاق.
المشهد الذي أعقب فوز المنتخب المغربي على كندا كان بالغ الدلالة. رئيس الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم، فوزي لقجع، نزل إلى أرضية الملعب، شارك اللاعبين احتفالاتهم، وظهر محمولاً على الأكتاف، في صور جابت وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، حتى بدا وكأنه أحد صناع الانتصار المباشرين.
لم يكن في ذلك، من حيث المبدأ، ما يثير الاستغراب؛ فمن الطبيعي أن يفرح المسؤول بنجاح مؤسسة يشرف عليها، وأن يتقاسم لحظة تاريخية مع لاعبيه. غير أن الصورة نفسها تكتسب معنى مختلفاً عندما تُقارن بما حدث بعد الهزيمة.
فعقب الخسارة أمام فرنسا، اختفت الصورة نفسها. لم يظهر رئيس الجامعة في المشهد الذي احتاج فيه اللاعبون إلى من يشاركهم مرارة السقوط. لم تُلتقط صور للمواساة، ولم يُسجل حضور رمزي يخفف عن لاعبين أنهكهم الضغط، وفي مقدمتهم الحارس ياسين بونو، الذي بدا متأثراً وهو يغادر المنافسة بعدما قدم كل ما يملك دفاعاً عن القميص الوطني. هنا لم يعد السؤال متعلقاً بلقطة بروتوكولية، بل بمعنى القيادة نفسها: لماذا يكون المسؤول في قلب المشهد عندما يربح الفريق، بينما يغيب عندما يصبح المشهد مؤلماً؟
هذه المفارقة تفتح نقاشاً يتجاوز مباراة بعينها. فهي تمس الثقافة الإدارية التي تحكم عدداً من المؤسسات، حيث يُنظر إلى النجاح باعتباره فرصة لتوسيع الرصيد الشخصي، بينما يُترك الفشل ليتحمله الموظفون أو الرياضيون أو العاملون في الميدان وحدهم. إنها ثقافة تقوم على خصخصة الإنجاز وتعميم المسؤولية عند الإخفاق؛ فحين تتحقق النتائج الإيجابية، تتعدد الجهات التي تنسبها إلى نفسها، لكن عندما تتعثر المسيرة، يصبح اللاعب أو المدرب وحده في مواجهة النقد.
ومن هنا يبرز البعد المؤسساتي للقضية. فالجامعة الرياضية ليست مجرد جهاز لتنظيم المباريات، بل مؤسسة عمومية تضطلع بوظيفة وطنية، وتدير جزءاً من الرأسمال الرمزي للمغرب. لذلك فإن سلوك مسؤوليها يُقرأ بوصفه رسالة حول مفهوم المسؤولية داخل الدولة. ففي المؤسسات الحديثة، لا يُقاس القائد بعدد الصور التي يظهر فيها أثناء الاحتفالات، بل بقدرته على حماية فريقه عندما تتجه إليه سهام الانتقاد، وعلى تحمل نصيبه من المسؤولية عندما لا تتحقق النتائج المرجوة.
ولعل ما زاد من حدة هذا النقاش هو ما راج خلال الأشهر الأخيرة من حديث عن طموحات سياسية منسوبة إلى فوزي لقجع، وعن تقاطعات محتملة بين النجاح الرياضي وبناء رصيد سياسي أو انتخابي. صحيح أن هذه المعطيات تبقى في دائرة التأويل ما لم تستند إلى وقائع مثبتة، غير أن السلوك العمومي للمسؤول هو الذي يمنح مثل هذه القراءات قوة أو يضعفها. فحين يكون الحضور ملازماً للانتصار، ويغيب في لحظة الهزيمة، يصبح من الطبيعي أن يتساءل الرأي العام: هل المقصود هو تقاسم فرحة المنتخب، أم الاستفادة من الصورة التي يصنعها الفوز؟
هذه الأسئلة ليست موجهة إلى شخص بعينه بقدر ما تعكس حاجة المجتمع إلى إعادة تعريف معنى القيادة العمومية. فالقائد الحقيقي لا يختبئ خلف النتائج، ولا ينتقي اللحظات التي تمنحه شعبية أو حضوراً إعلامياً. بل يظل ثابتاً في المشهد، سواء ارتفعت الهتافات أو ساد الصمت. فالمسؤولية ليست موسمية، ولا تُمارس فقط عندما تكون الكاميرات مفتوحة.
أما على المستوى الاجتماعي، فإن الرسائل الرمزية التي تبعثها مثل هذه المواقف تتجاوز حدود الرياضة. فالشباب الذين يتابعون المنتخب لا يراقبون فقط أداء اللاعبين، بل يراقبون أيضاً سلوك القيادات. وعندما يرون المسؤول يقترب من الفريق في لحظة النجاح ويبتعد عنه في لحظة الإخفاق، فإنهم يتلقون درساً غير مباشر حول طبيعة السلطة: سلطة تستثمر في الثمار أكثر مما تستثمر في تحمل الأكلاف. وهذا النموذج، إذا ترسخ، ينعكس على الثقافة العامة للمجتمع، حيث يصبح الهروب من المسؤولية سلوكاً مقبولاً، بدل أن يكون الاستمرار في تحملها قيمة مؤسساتية.
ومن زاوية اقتصادية، فإن كرة القدم لم تعد مجرد لعبة، بل أصبحت صناعة واستثماراً ورأسمالاً معنوياً للدول. وإدارة هذه الصناعة تقوم على الثقة والحوكمة والقدرة على تدبير الأزمات. فالهزيمة ليست نهاية المشروع الرياضي، لكنها لحظة حاسمة لاختبار جودة القيادة. والمؤسسات التي تنجح في تحويل الإخفاق إلى فرصة للمراجعة والتطوير هي التي تبني استدامة الإنجاز، أما تلك التي تكتفي بالاحتفاء بالنجاحات وتتوارى عند الأزمات، فإنها تضعف تدريجياً رصيدها المعنوي، مهما كانت حصيلة إنجازاتها.
في النهاية، قد يختلف الناس في تقييم أداء فوزي لقجع كرئيس للجامعة، وقد يتفق كثيرون على أن كرة القدم المغربية حققت خلال السنوات الأخيرة مكاسب مهمة على مستوى البنيات والنتائج والحضور القاري والدولي. لكن ذلك لا يعفي من مساءلة السلوك الرمزي للمسؤولين، لأن الصورة، في عالم اليوم، أصبحت جزءاً من الفعل السياسي والإداري نفسه. والسؤال الذي سيظل مطروحاً ليس من انتصر ومن انهزم، بل: أين يكون القائد عندما تنطفئ الأضواء؟
فالقيادة، في معناها الأعمق، ليست أن تُحمل على الأكتاف بعد الفوز، بل أن تمد يدك إلى من انحنى رأسه بعد الخسارة. وليست أن تقطف ثمار النجاح عندما يصفق الجميع، بل أن تقف في الصف الأول عندما يحين وقت تحمل المسؤولية. هناك فقط، تتوقف الصورة عن أن تكون دعاية، وتتحول إلى أخلاق دولة ومؤسسات.