نهاية زمن الإفلات من العقاب أم انكسار مرآة الحكامة: حين يبدأ القضاء في ملاحقة النخب السياسية بالمغرب

0
115

النص الذي يقدمه الصحفي رشيد نيني حول ملف إدانة الوزير السابق ورئيس جماعة الفقيه بنصالح محمد مبدع لا يمكن قراءته كخبر قضائي معزول، بل كـ”حالة اختبار” لمنظومة كاملة من تدبير السلطة والثروة في المغرب، كما يراها الكاتب من زاويته النقدية. فالمقال لا يشتغل على الواقعة بقدر ما يشتغل على ما تفتحه من أسئلة تاريخية وسياسية واجتماعية متراكمة.

منذ الجملة الأولى، يضع نيني القارئ أمام مفترق حساس: هل نحن أمام بداية مرحلة جديدة في محاسبة المسؤولين الكبار، أم مجرد قضية استثنائية سيتم طيّها ضمن سلسلة ملفات لا تغيّر البنية العامة؟ هذا السؤال ليس بريئاً في النص، بل هو المدخل الذي يبني عليه الكاتب كامل خطابه، لأنه يفترض وجود “حالة استثناء طويلة” في تاريخ المحاسبة السياسية.

في خلفية هذا الطرح، يستدعي نيني ذاكرة محاكمات السبعينات في المغرب، حين كانت الدولة، في سياق سياسي مختلف، لا تتردد في محاكمة وزراء ومسؤولين كبار بأحكام ثقيلة. هذا الاستحضار ليس مجرد حنين تاريخي، بل وظيفة تحليلية: المقارنة بين مرحلتين لإبراز التحول في منطق الدولة من الشدة القضائية إلى ما يعتبره الكاتب “ارتخاء” في مساءلة النخب. وهنا تظهر أول رسالة ضمنية: العدالة ليست ثابتة، بل مرتبطة بسياق سياسي وإرادة مؤسساتية.

لكن النص لا يتوقف عند البعد التاريخي، بل ينتقل إلى بناء ما يشبه “سوسيولوجيا السلطة المحلية”. من خلال سلسلة أمثلة لأسماء سياسية في مدن مختلفة، يرسم نيني نمطاً متكرراً: مسؤول يبدأ من وضع اجتماعي بسيط، يدخل إلى الجماعة أو البرلمان، ثم تتغير وضعية الثروة بشكل سريع وكبير. هذه ليست مجرد قصص منفصلة في السرد، بل هي، في منطق النص، مؤشرات على علاقة ملتبسة بين السياسة وتراكم الثروة.

هنا يطرح المقال سؤالاً مركزياً، وإن بشكل غير مباشر: هل السلطة المحلية في المغرب مجرد وظيفة تدبيرية، أم أنها أصبحت قناة للترقي الاجتماعي والاقتصادي السريع؟ هذا السؤال يفتح بدوره سؤالاً أكبر حول طبيعة الرقابة، وحدود ربط المسؤولية بالمحاسبة، وفعالية المؤسسات الوسيطة في تتبع المال العام.

في هذا السياق، يصبح حكم إدانة مبدع ليس نهاية قصة فرد، بل لحظة تكثيف لكل هذه الأسئلة. نيني يوظف القضية كرمز، لا كحدث منعزل، ليقول إن ما كان يُعتبر في السابق “استثناءً غير قابل للمس” بدأ ينهار أمام تدخل القضاء، ولو بشكل متأخر أو انتقائي.

في مستوى آخر من التحليل، يلامس النص بعداً اجتماعياً حساساً: التحول الطبقي السريع الناتج عن دخول السياسة. فبدل أن تكون السياسة مجالاً لخدمة الصالح العام، تتحول في بعض الحالات، كما يصورها الكاتب، إلى وسيلة لإعادة توزيع الثروة بشكل فردي وغير شفاف. وهذا يخلق فجوة أخلاقية في المخيال الاجتماعي بين المواطن العادي والمسؤول المنتخب.

لكن الأهم في هذا الطرح ليس فقط توصيف الظاهرة، بل ما يترتب عنها من اهتزاز في الثقة العامة. عندما يرى المجتمع أن الانتقال من “الهامش الاجتماعي” إلى “الثراء الكبير” يمكن أن يتم عبر بوابة التسيير المحلي دون تفسير واضح للثروة، فإن ذلك يولد سؤالاً عميقاً حول شرعية النموذج التنموي نفسه، وليس فقط حول أفراد داخله.

في خلفية ذلك، يفتح النص سؤالاً أكبر حول بنية التنمية الترابية: لماذا تتسع الفجوة بين الثروة الفردية لبعض الفاعلين المحليين وبين هشاشة الخدمات والبنيات في نفس المدن التي يدبرونها؟ هذا التناقض هو ما يعطي للنص قوته النقدية، لأنه لا يهاجم الأشخاص فقط، بل يلمّح إلى اختلال في المنظومة.

من زاوية أخرى، يمكن قراءة خطاب نيني كخطاب يشتغل على “الذاكرة السياسية للفساد”، حيث يتم استحضار أسماء وتجارب متعددة لتأكيد فكرة التكرار: نفس السيناريو يتكرر في مدن مختلفة، بأشخاص مختلفين، لكن بمنطق شبه موحد. وهذا ما يحول النص من سرد صحفي إلى بناء سردية عن نمط سياسي-اقتصادي متكرر.

لكن في المقابل، يطرح هذا النوع من السرد أيضاً سؤالاً نقدياً ضرورياً: إلى أي حد يمكن تعميم حالات فردية على بنية كاملة؟ وهل كل تحول اقتصادي سريع مرتبط بالضرورة بالفساد، أم أن جزءاً منه يحتاج إلى تفكيك قانوني ومؤسساتي دقيق بعيداً عن التعميم الصحفي؟

في النهاية، ما يقدمه النص ليس حكماً قضائياً ولا تقريراً إحصائياً، بل خطاباً صحفياً نقدياً يشتغل على التوتر بين القانون والسياسة، وبين الثروة والمسؤولية، وبين الذاكرة والواقع. قوته لا تأتي من الإجابة، بل من الأسئلة التي يتركها مفتوحة.

السؤال المركزي الذي يظل معلقاً بعد قراءة النص هو: هل ما يحدث اليوم هو بداية إعادة بناء جادة لمنظومة المحاسبة في المغرب، أم أننا أمام لحظة إعلامية وقضائية ظرفية ستظل محصورة في ملفات محددة دون أن تمس بنية العلاقة بين السلطة والثروة؟

وبين هذين الاحتمالين، تتحرك كل القراءة التي يقترحها نيني، بوصفه صحفياً لا يكتفي بنقل الوقائع، بل يعيد تأويلها داخل سردية أوسع عن الدولة والمجتمع والتحولات التي يعرفها ميزان السلطة في المغرب.