دائرة المحيط 2026: حين يتصارع الكبار على مقعد واحد… والمغرب السياسي يختبر خلافة النخب

0
115

في السياسة كما في الأسواق القديمة، لا يكفي أن تفتح متجراً في أكثر الأزقة ازدحاماً، بل يجب أن تكون مستعداً لمواجهة جميع التجار الذين سبقوك إلى المكان. هكذا تبدو اليوم دائرة المحيط بالرباط، وهي تستعد لاستقبال واحدة من أكثر المعارك الانتخابية إثارة قبل استحقاقات شتنبر 2026، مع إعلان التجمع الوطني للأحرار الدفع بطه الجوماني لقيادة لائحته في دائرة تحولت مع مرور السنوات إلى مختبر حقيقي لقياس موازين القوى بين النخب السياسية المغربية.

الخبر في ظاهره لا يتجاوز إعلان اسم مرشح جديد، لكن القراءة المتأنية تكشف أن الأمر يتعلق بخطوة سياسية محسوبة بعناية داخل حزب يقود الأغلبية الحكومية ويستعد لامتحان انتخابي حساس. فاختيار طه الجوماني لا يأتي فقط لتعويض سعيد بن مبارك الذي قاد الحزب في هذه الدائرة سابقاً، بل يعكس توجهاً أعمق داخل التجمع الوطني للأحرار لإعادة رسم خريطة تمثيليته السياسية وإبراز وجوه جديدة قادرة على مخاطبة جيل مختلف من الناخبين.

دائرة المحيط ليست دائرة عادية داخل العاصمة. فهذه المنطقة التي تجمع بين أحياء شعبية وتاريخية وأخرى ذات كثافة سياسية وإدارية عالية، تحولت منذ سنوات إلى فضاء تتقاطع فيه حسابات الأحزاب الكبرى مع رهانات الزعامة الشخصية. ولذلك اكتسبت وصف “دائرة الموت”، ليس بسبب صعوبة ظروفها الاجتماعية أو الاقتصادية، بل لأن أي مرشح يدخلها يجد نفسه في مواجهة أسماء ثقيلة تمتلك رصيداً سياسياً وشبكات نفوذ وتجارب حكومية وبرلمانية متراكمة.

في هذه الانتخابات المرتقبة، تبدو المنافسة أقرب إلى مواجهة بين أجيال سياسية مختلفة. فهناك مصطفى الخلفي، الوزير السابق والوجه البارز في تجربة العدالة والتنمية خلال مرحلة كان الحزب فيها يقود الحكومة. وهناك عبد الكريم بنعتيق، الوزير السابق والقيادي الاتحادي الذي راكم تجربة طويلة في تدبير ملفات الهجرة والشؤون الاجتماعية. كما يحضر مهدي بنسعيد، الوزير الحالي للشباب والثقافة والتواصل، الذي يمثل بدوره نموذجاً مختلفاً من القيادات الشابة التي صعدت داخل المشهد السياسي المغربي خلال السنوات الأخيرة. وإلى جانب هؤلاء يبرز اسم نبيل دخش، رجل الأعمال والبرلماني عن الحركة الشعبية، بما يمثله من حضور اقتصادي وشبكات علاقات محلية.

وسط هذه الكوكبة من الأسماء، يطرح ترشيح طه الجوماني أسئلة تتجاوز شخصه نحو طبيعة التحولات التي تعرفها الأحزاب المغربية نفسها. فمنذ سنوات تواجه معظم الأحزاب معضلة حقيقية تتمثل في ضعف تجديد النخب واستمرار الاعتماد على الأسماء ذاتها في كل استحقاق انتخابي. وقد أدى ذلك إلى اتساع الفجوة بين المؤسسات الحزبية وبين فئات واسعة من الشباب الذين أصبحوا ينظرون إلى السياسة باعتبارها مجالاً مغلقاً تدور فيه نفس الوجوه ونفس الخطابات.

من هذا المنطلق يمكن فهم قرار التجمع الوطني للأحرار باعتباره جزءاً من استراتيجية أوسع لتقديم جيل جديد من الفاعلين السياسيين. فطه الجوماني، الحاصل على تكوين في العلوم السياسية والناشط في عالم الأعمال، يجسد الصورة التي يحاول الحزب ترسيخها منذ سنوات: كفاءات شابة، ذات تكوين أكاديمي، وخبرة في القطاع الخاص، وقادرة على الجمع بين منطق التدبير الاقتصادي ومتطلبات العمل السياسي.

لكن القراءة السياسية لا تكتمل دون التوقف عند الرمزية العائلية والتاريخية التي يحملها المرشح الجديد. فكونه حفيد الراحل الحاج خطري سعيد ولد الجوماني، أحد أبرز الشخصيات التاريخية بالأقاليم الجنوبية والرئيس السابق لجماعة العيون، يمنحه امتداداً رمزياً يتجاوز حدود الرباط نفسها. ففي المغرب لا تزال الذاكرة السياسية والعائلية تلعب دوراً مؤثراً في تشكيل الصورة العامة للمرشح، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بأسماء ارتبطت بمحطات تاريخية أو بمراكز نفوذ اجتماعي وسياسي.

غير أن هذا المعطى قد يكون سلاحاً ذا حدين. فمن جهة يمنح المرشح رأسمالاً رمزياً يساعده على بناء حضوره السياسي، ومن جهة أخرى يضعه أمام اختبار صعب يتمثل في إثبات قدرته على صناعة شرعيته الخاصة بعيداً عن الإرث العائلي أو الرمزية التاريخية. فالناخب المغربي، وخاصة في المدن الكبرى، أصبح أكثر ميلاً إلى تقييم المرشحين بناء على أدائهم وقدرتهم على تقديم حلول ملموسة لمشكلات السكن والنقل والتشغيل وجودة الخدمات العمومية، أكثر من اهتمامه بالانتماءات التقليدية.

وتكشف هذه المعركة الانتخابية أيضاً عن تحول أعمق في طبيعة التنافس السياسي داخل المغرب. ففي مراحل سابقة كانت المواجهات تدور أساساً بين مشاريع أيديولوجية متعارضة: إسلاميون في مواجهة يساريين، أو محافظون في مواجهة حداثيين. أما اليوم فإن الحدود الإيديولوجية تبدو أقل وضوحاً، بينما أصبح التنافس يدور أكثر حول الكفاءة التدبيرية، والقدرة على استقطاب الناخبين، وإدارة الحملات الانتخابية، وبناء التحالفات المحلية.

لهذا السبب تبدو دائرة المحيط وكأنها صورة مصغرة للمشهد السياسي الوطني بأكمله. فهي تجمع وزراء سابقين وحاليين، وقيادات حزبية مخضرمة، ووجوهاً صاعدة، ورجال أعمال، وتيارات سياسية مختلفة تتنافس جميعها داخل رقعة جغرافية محدودة. وما سيحدث فيها لن يكون مجرد نتيجة انتخابية محلية، بل مؤشراً على اتجاهات الرأي العام داخل العاصمة وعلى قدرة الأحزاب على تجديد خطابها ونخبها قبل الاستحقاقات الوطنية المقبلة.

وربما هنا تكمن أهمية ترشيح طه الجوماني أكثر من أهمية الاسم نفسه. فالقضية ليست فقط من سيحصل على المقعد البرلماني، بل ما إذا كانت الأحزاب المغربية قادرة فعلاً على إنتاج جيل سياسي جديد ينجح في كسب ثقة المواطنين، أم أن الوجوه الجديدة ستجد نفسها في النهاية محكومة بالقواعد القديمة ذاتها التي حكمت الحياة السياسية لعقود.

وعندما تفتح صناديق الاقتراع في شتنبر المقبل، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو من انتصر في دائرة المحيط، بل ما إذا كانت السياسة المغربية قد نجحت فعلاً في تجديد نفسها، أم أنها اكتفت بتغيير الأسماء بينما بقيت المعادلة نفسها على حالها.