في السياسة، لا تُقاس قوة الأحزاب فقط بعدد المقاعد التي تحصدها أو بعدد الوزراء الذين تدفع بهم إلى الحكومة، بل تُقاس أكثر بقدرتها على إقناع أعضائها وأنصارها بأن المستقبل ما زال مفتوحاً أمامها. فالأحزاب، مثل الجيوش، تحتاج دائماً إلى سردية تمنحها الثقة وتُبقي قواعدها في حالة تعبئة دائمة. ومن هنا يمكن قراءة الرسائل التي بعث بها محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، خلال ظهوره الإعلامي الأخير، والتي لم تكن مجرد عرض لأرقام تنظيمية أو معطيات رقمية، بقدر ما كانت إعلاناً سياسياً مبكراً عن دخول الحزب مرحلة الإعداد للاستحقاقات المقبلة، ومحاولة لترسيخ صورة حزب يعتبر نفسه في موقع القوة والاستعداد.
عندما يؤكد شوكي أن حزب التجمع الوطني للأحرار يتمتع اليوم بـ”تماسك تنظيمي” و”جاهزية سياسية”، فهو لا يتحدث فقط عن وضع داخلي للحزب، بل يوجه رسالة إلى عدة دوائر في الوقت نفسه. الرسالة الأولى موجهة إلى القواعد الحزبية لإقناعها بأن الحزب ما زال متماسكاً رغم سنوات من تدبير الشأن الحكومي وما تفرضه من استنزاف سياسي طبيعي. أما الرسالة الثانية فهي موجهة إلى الخصوم السياسيين، ومضمونها أن الحزب لا يعيش حالة دفاع أو ارتباك رغم الضغوط الاجتماعية والاقتصادية التي تواجه أي حزب يقود الحكومة. بينما تبدو الرسالة الثالثة أكثر عمقاً، إذ تستهدف الرأي العام عبر تقديم الحزب باعتباره تنظيماً مستقراً يمتلك رؤية طويلة المدى، وليس مجرد آلة انتخابية تتحرك عند اقتراب موعد الاقتراع.
لكن خلف هذا الخطاب التنظيمي يبرز سؤال أكثر أهمية: لماذا أصبح الحديث عن “التماسك” و”الجاهزية” ضرورياً اليوم أكثر من أي وقت مضى؟ الجواب يرتبط بطبيعة المرحلة السياسية التي تعيشها الأحزاب الحاكمة عادة. فكلما اقتربت الاستحقاقات الانتخابية، تبدأ عملية تقييم الحصيلة الحكومية من طرف المواطنين، وتتحول الوعود إلى أرقام، والشعارات إلى مؤشرات قابلة للقياس. وفي هذه اللحظة بالتحديد يصبح الرهان الأكبر لأي حزب يقود الحكومة هو إقناع الناس بأن ما تحقق أكبر مما لم يتحقق، وأن المستقبل يستحق منحه فرصة جديدة.
ومن هذا المنطلق، لم يكن حديث شوكي عن “مسار التنمية” و”مسار الإنجازات” و”مسار المستقبل” مجرد استعراض لمحطات تنظيمية، بل محاولة لإظهار أن الحزب اشتغل وفق منطق التراكم لا منطق الحملات الظرفية. فالسياسيون يدركون أن أخطر ما يمكن أن يواجه أي حزب هو أن يُنظر إليه باعتباره منفصلاً عن نبض المجتمع. لذلك يحرص التجمع الوطني للأحرار على إبراز فكرة “الإنصات” و”القرب من المواطنين” باعتبارهما جزءاً من هويته السياسية. غير أن التحدي الحقيقي لا يكمن في عقد اللقاءات أو تنظيم الجولات التواصلية، بل في مدى قدرة هذه الآليات على التحول إلى سياسات عمومية تنعكس بشكل ملموس على الحياة اليومية للمواطنين.
وفي الواقع، فإن الإشارة إلى تعزيز الموارد المالية للجماعات الترابية والترافع المؤسساتي لفائدتها تفتح باباً أوسع للنقاش حول أحد أكبر رهانات الدولة المغربية خلال السنوات الأخيرة، وهو رهان الجهوية المتقدمة واللامركزية. فالمشكل لم يعد فقط في نقل الاختصاصات من المركز إلى الجهات والجماعات، بل في تمكين هذه المؤسسات من الإمكانيات المالية والبشرية الكفيلة بتحويل الصلاحيات إلى نتائج ملموسة. ولذلك يحاول الحزب أن يقدم نفسه كشريك في هذا المسار، باعتباره جزءاً من الدينامية المؤسساتية الرامية إلى تقريب التنمية من المواطن.
غير أن الجزء الأكثر إثارة في خطاب شوكي لم يكن حديثه عن التنظيم أو الجماعات الترابية، بل حديثه عن الفضاء الرقمي. فهنا تظهر إحدى أهم التحولات التي يشهدها العمل السياسي المعاصر. لم تعد الأحزاب تتنافس فقط في القاعات العمومية والساحات الانتخابية، بل أصبحت تخوض معارك يومية على منصات التواصل الاجتماعي، حيث تُصنع الانطباعات وتتغير المواقف وتنتشر السرديات بسرعة غير مسبوقة.
عندما يفتخر رئيس التجمع الوطني للأحرار بحضور حزبه القوي على مواقع التواصل الاجتماعي وبوجود فريق متخصص يدير هذا الحضور، فهو يعترف ضمناً بأن السياسة انتقلت إلى مرحلة جديدة أصبحت فيها الخوارزميات جزءاً من المعادلة السياسية. فالمتابعون والإعجابات والمشاهدات لم تعد مجرد أرقام تقنية، بل تحولت إلى مؤشرات نفوذ وتأثير. ولهذا لم يتردد شوكي في الدفاع عن استخدام الإعلانات الممولة أو ما يعرف بـ”البونسورينغ”، معتبراً إياها ممارسة عادية وضرورية لتوسيع الوصول إلى الجمهور.
لكن هذا الاعتراف يفتح بدوره نقاشاً أعمق حول طبيعة الديمقراطية الرقمية الحديثة. فإذا كانت الأحزاب سابقاً تعتمد على المقرات الحزبية والمناضلين والجرائد الحزبية للوصول إلى المواطنين، فإنها اليوم تعتمد على الاستهداف الرقمي والخوارزميات والمنصات العالمية. وهنا يطرح سؤال جوهري: هل أصبح النفوذ السياسي في العصر الرقمي مرتبطاً أكثر بقدرة الحزب على امتلاك أدوات التواصل الحديثة أم بقدرته على إنتاج سياسات ناجحة على أرض الواقع؟
الأرقام التي تم تقديمها حول حضور الحزب على المنصات الرقمية تكشف بالفعل عن قاعدة متابعة واسعة، خصوصاً على “فيسبوك”. لكن التجارب السياسية عبر العالم أظهرت أن الشعبية الرقمية لا تتحول دائماً إلى أصوات انتخابية، كما أن الضجيج الإلكتروني لا يعكس بالضرورة المزاج الحقيقي للمجتمع. فالفضاء الرقمي يمنح الانطباع أحياناً بأن النقاش محتدم حول قضية معينة، بينما ينشغل المواطن في حياته اليومية بقضايا مختلفة تماماً تتعلق بالقدرة الشرائية وفرص الشغل وجودة الخدمات العمومية.
ولعل شوكي نفسه أشار إلى هذه المفارقة عندما تحدث عن التأثير المتزايد لمواقع التواصل الاجتماعي وما تسببه أحياناً من تضخم للمعلومات أو انتشار للمعطيات غير الدقيقة. وهو اعتراف يحمل في طياته إدراكاً بأن المنصات الرقمية سلاح ذو حدين؛ فهي تمنح الأحزاب فرصة غير مسبوقة للوصول إلى الجمهور، لكنها في الوقت نفسه تفتح المجال أمام النقد السريع والحملات المضادة وتداول الأخبار المضللة.
في العمق، لا يبدو أن الرهان الحقيقي لحزب التجمع الوطني للأحرار اليوم هو إثبات أنه حاضر تنظيمياً أو رقمياً، لأن ذلك أصبح أمراً شبه محسوم وفق المعطيات التي يقدمها الحزب نفسه. الرهان الأصعب هو تحويل هذا الحضور إلى ثقة سياسية مستدامة لدى المواطنين. فالأحزاب لا تُختبر فقط في قدرتها على التواصل، بل في قدرتها على إقناع الناس بأن حياتهم تتغير نحو الأفضل. وكلما اقتربت الاستحقاقات المقبلة، ستصبح الأسئلة المرتبطة بالقدرة الشرائية والتشغيل والتعليم والصحة أكثر حضوراً من الأسئلة المرتبطة بعدد المتابعين على المنصات الاجتماعية.
وهنا تكمن المفارقة الكبرى التي تكشفها تصريحات شوكي. فالحزب يبدو واثقاً من قوته التنظيمية وحضوره الرقمي واستعداده السياسي، لكن التاريخ السياسي يعلمنا أن الانتخابات لا تُحسم داخل المقرات الحزبية ولا داخل الخوارزميات، بل تُحسم في المسافة الفاصلة بين الخطاب والواقع. ولذلك يبقى السؤال الحقيقي الذي ستجيب عنه السنوات القليلة المقبلة: هل نجح التجمع الوطني للأحرار في تحويل قوة التنظيم والتواصل إلى قوة إقناع مجتمعية، أم أن السياسة الرقمية ستظل مجرد مرآة تعكس صورة الحزب كما يريد أن يراها، لا كما يراها المواطنون في تفاصيل حياتهم اليومية؟