في نهاية كل رقم اقتصادي كبير، لا يُطرح السؤال الحقيقي داخل الجداول، بل خارجها: هل نحن أمام اقتصاد يتحرك فعلاً… أم أمام صورة اقتصادية تتحرك أكثر مما تتحول؟
في أحدث معطيات الحسابات الوطنية، تُعلن المندوبية السامية للتخطيط أن الاقتصاد المغربي سجل نمواً بلغ 4,9% سنة 2025، مقابل 4,4% سنة 2024، مع تحسن واضح في الأنشطة غير الفلاحية بنسبة 3,9%، وقفزة في القطاع الفلاحي وصلت إلى 8,2%، إلى جانب تحسن الطلب الداخلي واستقرار نسبي في التضخم عند حدود 1,6%.
في ظاهر هذه الأرقام، يبدو المشهد اقتصاداً في حالة انتعاش. لكن عند تفكيك الطبقات التي تُنتج هذا النمو، يظهر اقتصاد آخر يتحرك بسرعات مختلفة داخل الجسد نفسه، حيث لا تسير القطاعات في اتجاه واحد، ولا تتقاسم نفس الإيقاع، ولا تنعكس نتائجها بالضرورة على نفس الفئات الاجتماعية.
في قلب هذا النمو، تعود الفلاحة لتلعب دور “المحرك المتقلب”. ارتفاع بنسبة 8,2% في القطاع الفلاحي، يقابله تراجع حاد في الصيد البحري بنسبة ناقص 13%. هذا التناقض وحده يكشف هشاشة جزء من النمو، لأنه نمو مرتبط بالمناخ أكثر مما هو مرتبط بالتصنيع أو الإنتاج المستقر.
بمعنى آخر، جزء من التحسن الاقتصادي لا ينبع من تحول بنيوي دائم، بل من ظرفية مناخية تتحكم في محصول سنة كاملة. هنا يظهر السؤال: هل يمكن اعتبار نمو مرتبط بالمطر جزءاً من صلابة الاقتصاد، أم أنه يعيد إنتاج نفس الهشاشة كل دورة اقتصادية؟
في المقابل، القطاع الثانوي، الذي يُفترض أنه قلب التحول الصناعي، يُظهر تباطؤاً بدل تسارع. الصناعات الاستخراجية التي كانت تنمو بـ11,5% تراجعت إلى 7,5%، والصناعات التحويلية بقيت شبه راكدة عند 1,9%. وحده البناء والأشغال العمومية يواصل الصعود إلى 6,7%، وهو صعود يعكس دينامية الاستثمار العمومي أكثر مما يعكس تحولاً إنتاجياً واسع القاعدة.
هذا التوزع غير المتوازن داخل القطاع الصناعي يكشف مفارقة دقيقة: الاقتصاد يتحرك، لكن ليس بالضرورة في اتجاه تعميق التصنيع أو رفع القيمة المضافة الصناعية بشكل مستدام. بل إن جزءاً من الدينامية يرتبط بالمشاريع الكبرى أكثر مما يرتبط ببنية إنتاجية قادرة على خلق تراكم طويل الأمد.
أما القطاع الثالثي، الذي يشكل عادة مرآة الاستهلاك الداخلي والخدمات، فقد انتقل بدوره من 5,6% إلى 4,3%، أي أنه سجل تباطؤاً واضحاً رغم تحسن الطلب الداخلي المعلن. هذا التباطؤ يفتح نافذة على مفارقة أخرى: الطلب موجود، لكن أثره لا يترجم بنفس القوة داخل الخدمات المنتجة، ما قد يشير إلى تحول في أنماط الاستهلاك أو إلى ضغوط خفية على القدرة الشرائية.
في الخلفية الكلية، يرتفع الناتج الداخلي الإجمالي بنسبة 6,5% بالأسعار الجارية، لكن التضخم يبقى عند 1,6%. هذا التوازن الظاهري بين النمو والأسعار يخفي سؤالاً أكثر حساسية: هل هذا الاستقرار يعكس فعلاً تحسناً في القوة الشرائية، أم مجرد هدوء مؤقت في دورة الأسعار؟
لأن التجربة الاقتصادية لا تُقاس فقط بسرعة النمو، بل بقدرته على التحول إلى رفاه اجتماعي ملموس. وهنا تحديداً تبدأ الفجوة بين الاقتصاد كما يُقاس، والاقتصاد كما يُعاش.
اللافت في هذه الصورة ليس ارتفاع الرقم النهائي للنمو، بل تعدد السرعات داخله:قطاع فلاحي يقفز ثم يتراجع حسب المناخ، قطاع صناعي يتباطأ في مكوناته الأساسية، وقطاع خدماتي يفقد جزءاً من زخمه رغم تحسن الطلب. إنها ليست حركة اقتصاد واحد، بل عدة اقتصادات داخل اقتصاد واحد، تتحرك كل منها بمنطق مختلف.
وهنا يصبح السؤال أكثر عمقاً من مجرد نسبة مئوية:هل نحن أمام اقتصاد دخل مرحلة نضج إنتاجي حقيقي، أم أمام اقتصاد يتحسن رقمياً دون أن يعيد توزيع أثره الاجتماعي بنفس القوة؟
في النهاية، تبدو أرقام النمو وكأنها تقول شيئاً واضحاً: الاقتصاد المغربي يتحسن. لكن ما تقوله البنية الداخلية لهذه الأرقام قد يكون شيئاً آخر أكثر تعقيداً: أن التحسن لا يسير بنفس السرعة في كل الاتجاهات، وأن بعض محركات النمو ما زالت خارج السيطرة البنيوية الكاملة.
وهنا يبقى السؤال مفتوحاً، لا في الجداول، بل في الواقع اليومي:إذا كان الاقتصاد ينمو بهذا الشكل، فأين يتجسد هذا النمو حين يغادر التقارير ويتجه نحو حياة الناس؟