أربعون دولة في جنيف لا تصوت للمغرب فقط… بل تصوت لمنطق الدولة في مواجهة أوهام النزاع
في عالم السياسة الدولية لا تُقاس الانتصارات دائماً بعدد الاتفاقيات الموقعة أو حجم البيانات الصادرة، بل أحياناً بصورة بسيطة تتكرر داخل قاعات الأمم المتحدة: دولة تتحدث، وعشرات الدول الأخرى تصغي ثم تؤيد. وقد يبدو المشهد عادياً لمن يتابع أخبار الدبلوماسية يومياً، لكنه في الحقيقة يحمل رسائل أعمق بكثير مما تقوله الكلمات الرسمية.
هذا ما حدث من جديد في جنيف، عندما جددت أربعون دولة دعمها لمغربية الصحراء داخل مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة. لم يكن الأمر مجرد بيان إضافي يضاف إلى أرشيف المنظمة الأممية، بل كان محطة سياسية تكشف التحول المتواصل الذي تعرفه قضية الصحراء المغربية داخل المؤسسات الدولية، وتؤكد أن العالم بات يتعامل مع الملف بمنطق الواقعية السياسية أكثر من أي وقت مضى.
فعلى امتداد عقود طويلة، حاول خصوم الوحدة الترابية للمملكة تحويل ملف الصحراء إلى قضية مفتوحة على التأويلات الإيديولوجية والحسابات الجيوسياسية. لكن السنوات الأخيرة أظهرت أن المجتمع الدولي بدأ يتجه تدريجياً نحو مقاربة مختلفة تقوم على البحث عن حل عملي وقابل للتطبيق، بدل الاستمرار في إنتاج نزاع يستنزف المنطقة ويعطل إمكانياتها التنموية.
الدلالة الأولى في موقف الدول الأربعين لا ترتبط فقط بدعمها للمغرب، بل بتأكيدها أن معالجة قضية الصحراء تتم حصراً داخل المسار السياسي الذي تشرف عليه الأمم المتحدة ومجلس الأمن. هذه الإشارة تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها تحمل رسالة سياسية وقانونية واضحة: الملف لم يعد مجالاً للمزايدات أو للاستغلال داخل هيئات أخرى خارج الإطار الأممي المحدد له.
ومن هنا تبرز أهمية الإشادة المتجددة بمبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية. فالمبادرة التي أطلقها المغرب لم تعد تُقدَّم دولياً كمجرد مقترح من بين مقترحات أخرى، بل أصبحت في نظر عدد متزايد من الدول أرضية جدية وواقعية وذات مصداقية لحل النزاع. والفرق بين المقترحين كبير؛ فالأول يعني وجود رؤية عملية قابلة للتنفيذ، والثاني يعني مجرد فكرة ضمن أفكار متنافسة.
لكن ما الذي يجعل هذا الدعم يتوسع عاماً بعد آخر؟
الجواب لا يوجد فقط في دهاليز الدبلوماسية، بل في الواقع الميداني الذي تشهده الأقاليم الجنوبية للمملكة. فحين تتحدث الدول عن التنمية والاستقرار والاستثمار، فإنها تستند إلى معطيات ملموسة. فمن العيون إلى الداخلة، لم تعد الصحراء مجرد ملف سياسي يُناقش في الأمم المتحدة، بل أصبحت فضاءً تنموياً ضخماً يحتضن مشاريع البنيات التحتية والموانئ والطاقات المتجددة والاستثمارات العابرة للقارات.
وهنا تكمن إحدى أبرز نقاط القوة في المقاربة المغربية. فالمملكة لم تكتف بالدفاع القانوني أو السياسي عن وحدتها الترابية، بل اختارت أن تجعل التنمية نفسها جزءاً من الحجة الدبلوماسية. فالعالم اليوم لا يقتنع بالشعارات بقدر ما يقتنع بالنتائج. وعندما يرى شركاء المغرب أن الأقاليم الجنوبية تتحول إلى قطب اقتصادي إفريقي واعد، يصبح الحديث عن المستقبل أكثر إقناعاً من الجدل العقيم حول الماضي.
كما أن الإشادة الدولية بالتعاون المغربي مع منظومة الأمم المتحدة لحقوق الإنسان ليست تفصيلاً ثانوياً. ففي زمن أصبحت فيه قضايا الحقوق والحريات معياراً أساسياً للحكم على السياسات العمومية، يكتسب الانفتاح المغربي على الآليات الأممية أهمية خاصة. ذلك أن الدول الواثقة من مؤسساتها هي التي تفتح أبوابها للتقييم والتعاون والحوار، بينما تلجأ الأطراف الأخرى غالباً إلى منطق الانغلاق أو توظيف الخطاب الحقوقي لأغراض سياسية.
أما الإشارة إلى مخيمات تندوف، فهي تكشف بعداً إنسانياً غالباً ما يضيع وسط الصراعات السياسية. فالقضية في جوهرها ليست مجرد خرائط وحدود ومواقف دبلوماسية، بل تتعلق أيضاً بآلاف الأشخاص الذين يعيشون منذ عقود في ظروف استثنائية. ولذلك فإن الحديث عن العودة والاندماج والمساواة الكاملة بين المواطنين يعكس رؤية تسعى إلى تحويل الملف من حالة نزاع مزمنة إلى مشروع مصالحة وتنمية واستقرار.
ولا يمكن قراءة موقف الدول الأربعين بعيداً عن التحولات الدولية التي عرفها الملف خلال السنوات الأخيرة. فافتتاح عشرات القنصليات في العيون والداخلة لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل إعلاناً سيادياً من دول اختارت ترجمة مواقفها السياسية إلى حضور دبلوماسي مباشر فوق الأرض. وفي العلاقات الدولية، كثيراً ما تكون الأفعال أبلغ من التصريحات.
ومن زاوية أوسع، فإن ما يجري اليوم يتجاوز حدود الصحراء المغربية نفسها. فاستمرار هذا النزاع لعقود لم يؤثر فقط على المغرب، بل حرم منطقة المغرب الكبير والساحل الإفريقي من فرص هائلة للتكامل الاقتصادي والتعاون الأمني والتنمية المشتركة. لذلك فإن أي تقدم نحو تسوية نهائية لا يمثل مكسباً للمغرب وحده، بل يشكل فرصة تاريخية لإعادة رسم خريطة التعاون الإقليمي على أسس أكثر استقراراً وواقعية.
لقد راهنت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس على النفس الطويل، وعلى الجمع بين الشرعية التاريخية والقانونية، والعمل التنموي الميداني، والانفتاح الدبلوماسي الواسع. وبعد سنوات من هذا المسار المتدرج، تبدو النتائج أكثر وضوحاً داخل المؤسسات الدولية التي باتت تتعامل مع المبادرة المغربية باعتبارها مدخلاً جدياً للحل، لا مجرد موقف تفاوضي عابر.
وفي النهاية، قد يكون السؤال الحقيقي الذي يطرحه بيان جنيف أكبر من مجرد عدد الدول الداعمة للمغرب: هل نحن أمام مرحلة جديدة انتقلت فيها قضية الصحراء من منطق إدارة النزاع إلى منطق بناء الحل؟
ذلك هو السؤال الذي يبدو أن جزءاً متزايداً من المجتمع الدولي بدأ يجيب عنه بالفعل، ليس بالكلمات فقط، وإنما بالمواقف والقرارات والاصطفافات الدبلوماسية التي تتراكم سنة بعد أخرى لصالح مغربية الصحراء، ولصالح رؤية ملكية جعلت من الواقعية السياسية والتنمية والاستقرار أدوات أقوى من أي خطاب آخر.