رصاص جيل “زد” تحت قبة البرلمان: هل بدأت معركة تكميم السياسة باسم حماية المؤسسات؟

0
106

بين حرية التعبير وهيبة المؤسسات.. ماذا يكشف الجدل حول “رصاص جيل زد” داخل البرلمان المغربي؟

ليست كل المعارك السياسية تدور حول الأرقام والبرامج والسياسات العمومية. أحياناً تتحول الكلمات نفسها إلى قضية سياسية قائمة بذاتها، خصوصاً عندما تتقاطع مع مؤسسات الدولة والأمن وصورة البلاد في الداخل والخارج. وهذا بالضبط ما يكشفه الجدل الذي اندلع تحت قبة البرلمان بعد تصريحات رئيس المجموعة النيابية لحزب العدالة والتنمية، عبد الله بوانو، التي حمّل فيها الحكومة مسؤولية إطلاق الرصاص على محتجين من شباب جيل “زد” خلال الاحتجاجات التي شهدتها المملكة في خريف السنة الماضية.

الواقعة في ظاهرها مجرد سجال سياسي بين معارضة وأغلبية، لكنها في عمقها تطرح أسئلة أكثر تعقيداً تتعلق بحدود الخطاب السياسي، وموقع المؤسسات السيادية داخل النقاش الحزبي، وكيفية إدارة الاختلاف في مرحلة تستعد فيها المملكة لاستحقاقات دولية كبرى، وفي مقدمتها كأس العالم 2030.

عندما اختار رئيس مجلس النواب راشيد الطالبي العلمي التدخل في الموضوع، لم يركز فقط على مضمون التصريح، بل على المنهج الذي ينبغي أن يحكم العمل السياسي داخل المؤسسات الدستورية. فالرجل حاول رسم خط فاصل بين حق السياسي في النقد والمساءلة، وبين توظيف قضايا حساسة تمس أجهزة الدولة ومؤسساتها دون وجود معطيات أو مساطر رسمية تؤكد تلك الاتهامات.

من الناحية الدستورية، لا خلاف حول أن حرية التعبير داخل البرلمان تشكل إحدى أهم ضمانات النظام الديمقراطي. فالبرلمان ليس فضاءً للمجاملة السياسية، بل مؤسسة للمراقبة والمحاسبة وإثارة القضايا التي تشغل الرأي العام. غير أن الإشكال يبدأ عندما تتحول الاتهامات السياسية إلى أحكام قطعية تمس مؤسسات يفترض أن تخضع بدورها لقواعد الإثبات والمساطر القانونية.

هنا بالضبط يظهر جوهر موقف الطالبي العلمي. فهو لا يناقش فقط صحة أو خطأ التصريح، بل يرفض أن تصبح مؤسسات الدولة طرفاً مباشراً في الصراع الحزبي اليومي. فالدولة، وفق هذا المنطق، ليست الأغلبية الحكومية ولا المعارضة، وإنما إطار جامع يفترض أن يبقى فوق التجاذبات الانتخابية المؤقتة.

لكن الوجه الآخر للنقاش لا يقل أهمية. فالمعارضة، في أي نظام ديمقراطي، تعتبر أن دورها الأساسي يتمثل في إثارة الأسئلة المحرجة وفتح الملفات التي قد لا ترغب الحكومة في مناقشتها. ومن هذا المنطلق، فإن الجدل لا يتعلق فقط بما قاله بوانو، بل أيضاً بحدود الحق في إثارة القضايا الحساسة تحت قبة البرلمان. وهنا تبرز معضلة دائمة في الأنظمة الديمقراطية: كيف يمكن حماية حرية التعبير السياسية دون أن تتحول إلى وسيلة لإنتاج اتهامات غير موثقة قد تؤثر على ثقة المواطنين في المؤسسات؟

وربما لهذا السبب ربط رئيس مجلس النواب القضية بصورة المغرب الدولية. فالمملكة تعيش مرحلة تسعى فيها إلى تقديم نفسها كنموذج للاستقرار السياسي والمؤسساتي في منطقة تعاني من الاضطرابات. كما أنها مقبلة على تنظيم تظاهرات عالمية ضخمة تتطلب بناء صورة خارجية قائمة على الثقة والقدرة التنظيمية. ومن ثم فإن أي خطاب سياسي يتناول قضايا أمنية أو مؤسساتية حساسة يصبح جزءاً من معركة الصورة بقدر ما هو جزء من الصراع السياسي الداخلي.

غير أن هذا الربط بدوره يفتح باباً آخر للنقاش. فهل ينبغي أن يؤدي الحرص على صورة البلاد إلى تقليص هامش النقد السياسي؟ أم أن قوة صورة الدولة في الخارج تنبع أساساً من قدرتها على استيعاب النقاشات الحادة داخل مؤسساتها الديمقراطية؟ إنه سؤال ظل مطروحاً في مختلف الديمقراطيات الحديثة، حيث تتعايش الحاجة إلى الاستقرار مع ضرورة ضمان الحق في النقد والمساءلة.

وفي سياق آخر، انتقل الطالبي العلمي إلى ملف لا يقل حساسية، يتعلق بمطلب المعارضة تشكيل لجنة لتقصي الحقائق حول دعم استيراد الأغنام، وهو الملف الذي تحول إلى مادة سجال سياسي وإعلامي واسع خلال الأشهر الأخيرة.

المثير في حديث رئيس مجلس النواب أنه قدم درساً عملياً في كيفية اشتغال المؤسسات بعيداً عن الضجيج السياسي. فالرأي العام يتابع التصريحات والاتهامات اليومية، بينما تتحرك المؤسسات وفق مساطر دستورية وقانونية معقدة قد تستغرق أسابيع أو أشهراً قبل الوصول إلى أي نتيجة.

من خلال شرحه للإجراءات القانونية الخاصة بلجان تقصي الحقائق، بدا واضحاً أن الدستور المغربي لم يمنح هذه الآلية مكانة استثنائية عبثاً. فالغاية ليست إنتاج عناوين إعلامية أو تحقيق مكاسب انتخابية ظرفية، بل التعامل مع ما يمكن اعتباره قضايا وطنية كبرى تستوجب تدخلاً برلمانياً استثنائياً.

وفي العمق، يكشف هذا الملف إشكالية متكررة في الحياة السياسية المغربية: الفجوة بين إيقاع السياسة وإيقاع المؤسسات. فالأحزاب تحتاج إلى مواقف سريعة ورسائل قوية موجهة للرأي العام، بينما تشتغل المؤسسات بمنطق الإجراءات والمساطر والآجال القانونية. وبين السرعتين المختلفتين كثيراً ما يتولد سوء الفهم لدى المواطنين الذين ينتظرون نتائج فورية لقضايا معقدة.

أما بخصوص النواب المتابعين في قضايا مرتبطة بالتدبير والفساد، فقد حرص الطالبي العلمي على تقديم معطيات رقمية دقيقة حول عدد الذين تم تجريدهم من العضوية البرلمانية. وهنا أيضاً يظهر حرص المؤسسة التشريعية على التأكيد أن المتابعات القضائية لا ترتبط بالصفة البرلمانية نفسها، بل بأفعال وقرارات مرتبطة غالباً بمسؤوليات تدبيرية سابقة، خصوصاً داخل الجماعات الترابية.

هذا التوضيح ليس تفصيلاً تقنياً، بل يعكس تحوّلاً أعمق في العلاقة بين السياسة والقانون. فالمجتمع المغربي أصبح أكثر حساسية تجاه قضايا الحكامة وربط المسؤولية بالمحاسبة، بينما أصبحت المؤسسات مطالبة بإثبات أن الصفة السياسية أو الانتخابية لا توفر حصانة مطلقة ضد المساءلة.

في النهاية، لا تبدو قضية “رصاص جيل زد” مجرد خلاف عابر بين سياسيين، ولا يبدو ملف دعم استيراد الأغنام مجرد سجال ظرفي حول الأرقام والدعم العمومي. ما تكشفه هذه الأحداث مجتمعة هو أن المغرب يعيش مرحلة إعادة تعريف مستمرة للعلاقة بين حرية التعبير والمسؤولية السياسية، وبين النقد المشروع وحماية المؤسسات، وبين منطق المعركة الانتخابية ومنطق الدولة.

ويبقى السؤال الأعمق الذي يفرض نفسه خلف كل هذه الوقائع: هل تستطيع الديمقراطية المغربية أن تواصل توسيع فضاءات النقاش الحر والمسؤول في الوقت نفسه، بحيث تصبح قوة المؤسسات نابعة من قدرتها على تحمل النقد، وقوة السياسة نابعة من التزامها بالحقيقة لا من قوة الشعارات؟ ذلك هو التحدي الحقيقي الذي يتجاوز الأشخاص والوقائع، ويمس مستقبل الثقة بين المواطن والدولة.