«وعود المدرسة والدواء والجامعة.. هل يفتح “الأحرار” معركة الدولة الاجتماعية أم معركة كسب ثقة المغاربة قبل 2026؟»

0
94

في السياسة، لا تُقاس قيمة الوعود بعددها، بل بقدرتها على إقناع المواطنين بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل من الحاضر. وحين يختار حزب التجمع الوطني للأحرار أن يضع التعليم والصحة في قلب التزاماته الجديدة، فإنه لا يقدم مجرد إجراءات تقنية أو مشاريع قطاعية معزولة، بل يفتح نقاشاً أوسع يتعلق بمستقبل الدولة الاجتماعية في المغرب، وبقدرة المؤسسات العمومية على استعادة ثقة فئات واسعة من المواطنين الذين ما زالوا يعتبرون المدرسة العمومية والمستشفى العمومي عنوانين لأزمة مزمنة أكثر منهما عنوانين للأمل.

في هذا السياق، جاءت تصريحات نبيلة الرميلي، عضو المكتب السياسي للحزب، خلال لقاء بمدينة وجدة، لتؤكد أن التعليم والصحة سيظلان في صدارة أولويات الحزب خلال المرحلة المقبلة. غير أن أهمية هذه التصريحات لا تكمن فقط في مضمونها، بل في توقيتها أيضاً؛ إذ تأتي في لحظة سياسية تتزايد فيها الأسئلة حول حصيلة الحكومة الحالية، وحول مدى نجاحها في ترجمة شعار “الدولة الاجتماعية” إلى واقع ملموس يشعر به المواطن في حياته اليومية.

فعندما يتحدث الحزب عن تعميم “مدارس الريادة” في أفق 2027 بالنسبة للتعليم الابتدائي، ثم توسيع التجربة إلى الإعدادي والثانوي خلال السنوات اللاحقة، فإنه يضع نفسه أمام اختبار حقيقي. فالتقارير الوطنية والدولية ظلت لسنوات تدق ناقوس الخطر بشأن جودة التعليم بالمغرب، ليس فقط بسبب النتائج الدراسية أو نسب الهدر المدرسي، بل أيضاً بسبب الفوارق المجالية الكبيرة بين المدن والقرى، وبين المؤسسات المجهزة وتلك التي تفتقر إلى أبسط الشروط التربوية.

ومن هنا تبدو الإشارة إلى تعميم النقل المدرسي والمطاعم المدرسية ذات دلالة خاصة. فالمعضلة التعليمية في العالم القروي لم تكن مرتبطة دائماً بالمناهج أو البرامج، بل كانت في كثير من الأحيان مرتبطة بعوامل اجتماعية واقتصادية تدفع آلاف التلاميذ إلى مغادرة مقاعد الدراسة مبكراً. والمسافة الطويلة التي يقطعها الطفل للوصول إلى المدرسة، أو غياب وجبة غذائية متوازنة داخل المؤسسة، تحولت في عدد من المناطق إلى أسباب مباشرة للانقطاع عن الدراسة.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا هو: هل يكفي توفير النقل والإطعام المدرسيين لتجاوز أزمة التعليم؟ أم أن المشكلة أعمق من ذلك وترتبط أيضاً بجودة التكوين، وبمستوى التأطير التربوي، وبقدرة المدرسة على إنتاج فرص حقيقية للترقي الاجتماعي؟ فالتجارب الدولية الناجحة أثبتت أن إصلاح التعليم لا يتحقق فقط عبر البنيات التحتية، وإنما عبر بناء منظومة متكاملة تجعل من المدرسة فضاءً لإنتاج المعرفة والمهارات والقيم في آن واحد.

وفي السياق نفسه، يبرز رهان الحزب على توسيع التعليم العالي من خلال رفع عدد الجامعات من 12 إلى 27 جامعة. وهو تعهد يعكس وعياً متزايداً بأهمية العدالة المجالية في الولوج إلى التعليم الجامعي. فالكثير من الأسر المغربية ما تزال تتحمل أعباء مالية كبيرة بسبب اضطرار أبنائها إلى الانتقال نحو مدن بعيدة لمتابعة دراستهم العليا، الأمر الذي يجعل القرب الجامعي قضية اجتماعية واقتصادية بامتياز.

غير أن بناء الجامعات الجديدة يثير بدوره أسئلة جوهرية تتجاوز عدد المؤسسات إلى جودة التكوين والبحث العلمي. فالتحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في تشييد بنايات جديدة، بل في خلق جامعات قادرة على إنتاج المعرفة وربط التكوين بحاجيات الاقتصاد الوطني وسوق الشغل. فالمغرب، مثل العديد من الدول الصاعدة، يواجه مفارقة تتمثل في ارتفاع عدد الخريجين مقابل استمرار نسب مهمة من بطالة الشباب الحاصلين على شهادات عليا.

أما في قطاع الصحة، فإن الرهانات تبدو أكثر تعقيداً وحساسية. فإعلان الحزب عزمه استكمال بناء المراكز الصحية والمستشفيات الجامعية وتعميم المجموعات الصحية الترابية يعكس استمرار الرهان الرسمي على إصلاح المنظومة الصحية التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات كبرى مرتبطة بتعميم الحماية الاجتماعية والتغطية الصحية.

وتكتسب هذه الوعود أهمية خاصة في ظل الاختلالات التي ما تزال تعاني منها العديد من المناطق، حيث يظل الوصول إلى الطبيب المختص أو إلى التجهيزات الطبية الحديثة تحدياً يومياً بالنسبة لآلاف المواطنين. ولذلك فإن الحديث عن تعميم الطب عن بعد لا يمثل مجرد خيار تكنولوجي، بل محاولة لمعالجة اختلالات مجالية عميقة ظلت لعقود من الزمن تؤثر على الحق في العلاج.

لكن النقطة التي استقطبت اهتماماً أكبر هي إعلان الحزب التزامه بمراجعة أسعار الأدوية وتخفيف كلفة العلاج على الأسر المغربية. ففاتورة العلاج أصبحت خلال السنوات الأخيرة واحدة من أكثر الملفات إثارة للنقاش العمومي، خاصة بالنسبة للأسر محدودة ومتوسطة الدخل التي تجد نفسها أمام تكاليف علاجية تفوق أحياناً قدرتها الشرائية.

ومع أن المغرب أطلق خلال السنوات الماضية مجموعة من الإصلاحات المرتبطة بتخفيض أسعار بعض الأدوية وتوسيع التغطية الصحية، فإن الإشكال ما يزال مطروحاً حول كيفية تحقيق التوازن بين حماية القدرة الشرائية للمواطنين وضمان استمرارية الاستثمار في الصناعة الدوائية الوطنية. لذلك فإن نجاح هذا الالتزام لن يقاس بالإعلان عنه فقط، بل بمدى قدرته على إحداث أثر ملموس داخل الصيدليات والمستشفيات وميزانيات الأسر.

ومن زاوية سياسية أوسع، تبدو تصريحات محمد أوجار محاولة لإعطاء بعد فلسفي واستراتيجي لهذه الالتزامات، من خلال التأكيد على أن الدولة الاجتماعية لا تختزل في المساعدات المباشرة، بل تقوم على توفير خدمات عمومية قوية وعادلة. وهي رؤية تنسجم مع التحولات الكبرى التي يشهدها المغرب منذ سنوات، حيث أصبح تحسين جودة الخدمات العمومية جزءاً أساسياً من مشروع التنمية الوطنية.

غير أن التحدي الأكبر لا يتعلق بصياغة البرامج أو عرض التصورات، وإنما بقدرة الفاعل السياسي على إقناع المواطنين بأن هذه الوعود قابلة للتنفيذ. فالمغاربة لم يعودوا يحاكمون الأحزاب بناء على الخطابات فقط، بل وفق النتائج التي تنعكس على حياتهم اليومية: مدرسة أفضل، ومستشفى أكثر فعالية، ودواء أقل كلفة، وفرص أكثر عدالة بين مختلف الجهات.

وهنا تبرز المفارقة الأساسية. فكل الأحزاب تقريباً تتحدث عن التعليم والصحة والعدالة المجالية، لكن ما يميز مرحلة عن أخرى هو القدرة على تحويل هذه الشعارات إلى مؤشرات قابلة للقياس وإلى أثر محسوس داخل حياة المواطنين. ولذلك فإن الرهان الحقيقي أمام حزب التجمع الوطني للأحرار لا يكمن في الإعلان عن التزامات جديدة، بل في إثبات أن ما يعد به اليوم يمكن أن يتحول غداً إلى واقع.

وفي نهاية المطاف، لا يتعلق النقاش بمدارس الريادة أو بالمستشفيات الجامعية أو بأسعار الأدوية فقط، بل بسؤال أعمق يهم مستقبل العقد الاجتماعي بين الدولة والمواطن. فحين تصبح المدرسة العمومية قادرة على صناعة الأمل، ويصبح المستشفى العمومي عنواناً للثقة لا للقلق، عندها فقط يمكن الحديث عن نجاح مشروع الدولة الاجتماعية. أما قبل ذلك، فستظل كل البرامج، مهما كانت طموحة، مطالبة بالإجابة عن السؤال الذي يطرحه المغاربة باستمرار: متى تتحول الوعود إلى واقع يلمسونه في تفاصيل حياتهم اليومية؟