عندما تتحول كلمة الأب إلى قضية وطنية.. ماذا تكشف عاصفة يونس العيناوي عن هشاشة العلاقة بين النجومية والمنتخب؟
لم تكن تصريحات يونس العيناوي، أسطورة التنس المغربي وأحد أبرز الرياضيين الذين رفعوا العلم المغربي في المحافل الدولية، مجرد حديث عابر في برنامج إذاعي فرنسي. فالرجل الذي اعتاد المغاربة سماعه وهو يتحدث عن الرياضة بروح هادئة وجد نفسه هذه المرة في قلب عاصفة إعلامية ورياضية تجاوزت مضمون كلامه لتطرح أسئلة أعمق حول المنتخب الوطني، وإدارة النجومية، وحدود التعبير عندما يتعلق الأمر بمؤسسة أصبحت تمثل جزءا من القوة الناعمة للمغرب.
الجدل لم ينفجر بسبب أن يونس العيناوي تحدث عن ابنه نائل فقط، بل لأن التوقيت جاء في لحظة حساسة يعيش فيها المنتخب المغربي إحدى أهم مراحله التاريخية، وسط مشاركة عالمية ورهانات جماهيرية وإعلامية ضخمة. فكل كلمة تصدر اليوم عن محيط “أسود الأطلس” تتحول تلقائيا إلى مادة للنقاش والتحليل والتأويل، خصوصا عندما يتعلق الأمر بلاعب أصبح جزءا من المشروع الكروي المغربي الذي بُني خلال السنوات الأخيرة على استقطاب الكفاءات والمواهب المغربية المنتشرة عبر العالم.
ومن هنا يمكن فهم سبب انقسام الآراء. فهناك من رأى في تصريحات العيناوي الأب مجرد حديث عفوي لرجل يتحدث عن تجربته العائلية ومسار ابنه، بينما اعتبر آخرون أن بعض التفاصيل التي تم الكشف عنها كان من الأفضل أن تبقى داخل الدائرة الخاصة للمنتخب واللاعب، خصوصا في ظل المنافسة الرياضية والإعلامية الحادة التي ترافق المنتخبات الكبرى.
لكن السؤال الحقيقي ليس: هل أخطأ يونس العيناوي أم لا؟ بل لماذا أصبحت مثل هذه التصريحات قادرة على إثارة كل هذا الجدل؟
الجواب يكمن في التحول الكبير الذي عرفته كرة القدم المغربية خلال العقد الأخير. فالمغرب لم يعد مجرد منتخب يشارك في البطولات ثم يغادرها بصمت، بل أصبح مشروعا رياضيا متكاملا يحظى بمتابعة إقليمية ودولية واسعة. وكل نجاح يحققه المنتخب يرفع منسوب التوقعات، وفي المقابل يجعل أي حدث جانبي قابلا للتحول إلى قضية رأي عام.
لقد نجح المغرب خلال السنوات الماضية في بناء صورة جديدة لكرة القدم الوطنية، قائمة على الاحترافية والبنيات التحتية والتخطيط طويل المدى، إلى جانب استقطاب لاعبين نشأوا وتكونوا في مدارس أوروبية كبرى. هذا النموذج تحول إلى موضوع دراسة وإعجاب لدى كثير من الدول الإفريقية والعربية، لكنه في الوقت نفسه أصبح هدفا للنقد والمنافسة والتشكيك أحيانا. ولذلك فإن أي نقاش حول ظروف التحاق لاعب بالمنتخب أو خلفيات اختياره للجنسية الرياضية لا يُقرأ فقط داخل المغرب، بل يقرأ أيضا خارج حدوده باعتباره جزءا من قصة نجاح أكبر.
وفي الواقع، فإن قضية نائل العيناوي بالذات تحمل رمزية خاصة. فاللاعب لم يدخل دائرة الاهتمام فقط لأنه ابن بطل عالمي سابق، بل لأنه يمثل جيلا جديدا من اللاعبين الذين يجمعون بين التكوين الأوروبي والانتماء المغربي. وقد تحدث يونس العيناوي نفسه في مناسبات سابقة عن افتخار العائلة برؤية نائل يحمل قميص المغرب، كما أكد أن مساره مع المنتخبات المغربية بدأ منذ الفئات السنية وأن اختياره لم يكن وليد اللحظة.
غير أن الضجة الحالية تكشف أيضا عن ظاهرة أخرى أصبحت ملازمة لكرة القدم الحديثة: تضخم الفضاء الإعلامي والرقمي. ففي زمن وسائل التواصل الاجتماعي لم تعد التصريحات تعيش ساعات أو أياماً ثم تختفي، بل تتحول إلى مادة لإعادة التدوير والتأويل والاجتزاء. كلمة واحدة قد تنتج مئات العناوين وآلاف التعليقات وملايين المشاهدات. وهنا تصبح المشكلة أحيانا ليست فيما قيل، بل فيما يُفهم مما قيل.
كما تكشف القضية عن إشكالية أعمق تتعلق بعلاقة أسر اللاعبين بالمنتخبات الوطنية. فكلما ارتفع نجم لاعب، ارتفع معه حضور عائلته في المجال العام. وهذا أمر طبيعي إنسانيا، لكنه يصبح أكثر تعقيدا عندما يكون الأب أو الأم شخصية مشهورة بدورها. ففي هذه الحالة تختلط الحدود بين الرأي الشخصي والتأثير العام، وبين الحديث العائلي والرسالة الإعلامية.
ولعل ما يدعم وجهة نظر الرافضين للتهويل هو أن نائل العيناوي نفسه يقدم منذ التحاقه بالمنتخب صورة لاعب ملتزم داخل المجموعة، مركز على أدائه في الملعب أكثر من انشغاله بالضوضاء المحيطة به. كما أن مسيرته الأخيرة أظهرت قدرة واضحة على التعامل مع الضغوط والمنافسة داخل بيئة احترافية عالية المستوى.
أما الذين يرون أن القضية أكبر من مجرد تصريح، فيعتبرون أن المنتخبات الكبرى تُدار اليوم بمنطق التواصل الاستراتيجي، حيث تصبح الرسائل الإعلامية جزءا من المنافسة نفسها، تماما كما أصبحت اللياقة البدنية والتحليل الرقمي والتخطيط التكتيكي عناصر أساسية في كرة القدم الحديثة.
وفي الحالتين، يبدو أن الجدل الحالي يقول شيئا مهما عن المغرب أكثر مما يقوله عن يونس العيناوي أو ابنه نائل. فهو يعكس حجم التوقعات التي أصبحت مرتبطة بالمنتخب الوطني، ويكشف أن المغاربة لم يعودوا يتعاملون مع “أسود الأطلس” كفريق كرة قدم فقط، بل كرمز جماعي للنجاح الوطني وصورة البلاد في الخارج.
لهذا السبب بالذات تتحول بعض التصريحات إلى قضايا عامة، ويتحول بعض الجدل الرياضي إلى نقاش حول الهوية والانتماء والتمثيل والصورة الدولية للمغرب.
وفي النهاية، قد تمر هذه العاصفة الإعلامية كما مرت عواصف كثيرة قبلها، وقد يثبت الزمن أن حجم الجدل كان أكبر من حجم الواقعة نفسها. لكن السؤال الذي سيبقى مطروحا هو: عندما تصبح المنتخبات الوطنية مشاريع رمزية للدولة والمجتمع، هل تبقى التصريحات مجرد آراء شخصية، أم أنها تتحول تلقائيا إلى جزء من معركة أكبر تتعلق بالصورة والثقة والانتماء؟
ذلك هو السؤال الحقيقي الذي تركته قضية يونس العيناوي خلفها، وهو سؤال يتجاوز الرجل وابنه والمنتخب، ليصل إلى جوهر العلاقة الجديدة بين الرياضة والهوية الوطنية في المغرب المعاصر.