بينما شغلت الساعة الإضافية المغاربة… رقم البكالوريا يكشف الجرح الحقيقي للمدرسة المغربية: من يحصي مئات الآلاف الذين سقطوا قبل الوصول إلى عتبة البكالوريا؟
لم تعد الأسئلة المطروحة اليوم حول تدبير المال العام داخل وزارة الشباب والثقافة والتواصل مجرد سجال سياسي عابر بين الأغلبية والمعارضة، بل تحولت إلى نقاش عمومي يتجاوز الأشخاص والأحزاب ليطرح قضية أعمق تتعلق بكيفية إدارة الموارد العمومية، ومدى احترام مبادئ الشفافية وتكافؤ الفرص وربط المسؤولية بالمحاسبة. فكلما ارتفع حجم الأموال العمومية المخصصة لقطاعات الثقافة والشباب والإعلام، ارتفع معها سقف الانتظارات المجتمعية بخصوص وضوح معايير صرفها، لأن المال العمومي لا يكتسب مشروعيته فقط من قانون المالية، وإنما أيضاً من ثقة المواطنين في أن كل درهم يصرف يخضع للمراقبة والمساءلة.
خلال الأشهر الأخيرة، عادت ملفات الدعم والصفقات واتفاقيات الشراكة لتتصدر النقاش السياسي والإعلامي، بعد أسئلة برلمانية ومداخلات لعدد من النواب أثارت تساؤلات حول استفادة بعض الجهات والشركات من برامج الوزارة، وحول طبيعة العلاقات التي قد تربط بعض المستفيدين بمحيط مسؤولين داخل القطاع. وهذه المعطيات، سواء كانت مثبتة أو لا تزال في إطار الادعاءات السياسية، لا يمكن حسمها عبر البيانات المتبادلة أو التراشق الإعلامي، وإنما عبر مؤسسات الرقابة المخول لها دستورياً التحقق من سلامة التدبير واحترام القانون.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها قطاع الشباب والثقافة والتواصل داخل السياسات العمومية. فالثقافة لم تعد ترفاً، بل أصبحت صناعة اقتصادية تدر استثمارات وفرص شغل، والإعلام تحول إلى ركيزة من ركائز الأمن الديمقراطي، بينما يمثل قطاع الشباب أحد أهم مجالات الاستثمار في المستقبل. ولذلك فإن أي نقاش حول تدبير هذه القطاعات يتجاوز الحسابات السياسية الضيقة ليصبح نقاشاً حول نموذج الحكامة الذي يراد ترسيخه في المغرب.
وفي قلب هذا النقاش يبرز ملف الصفقات العمومية واتفاقيات الشراكة. فالقانون المغربي المنظم للصفقات يقوم على مبادئ المنافسة الحرة والمساواة بين المتنافسين والشفافية، وهي المبادئ نفسها التي كرّسها الدستور باعتبارها أساساً للحكامة الجيدة. لذلك، فإن أي انطباع بوجود تفضيل غير مبرر أو غياب لتكافؤ الفرص، حتى وإن لم يثبت قانونياً، يصبح كفيلاً بإضعاف ثقة الفاعلين الاقتصاديين والثقافيين في المؤسسات، وهو ما يجعل نشر المعايير والوثائق والتقارير جزءاً من الوقاية قبل أن يكون وسيلة للدفاع.
أما في قطاع الثقافة، فإن الجدل لا يتعلق فقط بطريقة صرف الأموال، بل أيضاً بفلسفة الدعم نفسها. فعدد من الفاعلين الثقافيين يعتبرون أن النقاش الحقيقي ينبغي أن ينصب على سؤال الأولويات: هل تنتج منظومة الدعم قيمة ثقافية مضافة؟ وهل تصل الموارد العمومية إلى المشاريع الأكثر قدرة على تطوير الإبداع الوطني وحماية التراث، أم أن جزءاً مهماً منها يظل محكوماً بإجراءات إدارية معقدة أو بمعايير يطالب المهنيون بمزيد من توضيحها؟
ويزداد هذا النقاش حدة في ملفات دعم الإنتاج الفني والسينمائي، حيث عبّر مهنيون في مناسبات مختلفة عن مطالب بمراجعة آليات الدعم وتطوير معايير اختيار المشاريع ولجان الانتقاء بما يعزز الثقة ويحد من أي شبهة محتملة لتضارب المصالح. وفي المقابل، تؤكد الوزارة في أكثر من مناسبة أنها تعمل على إصلاح منظومة الدعم الثقافي ورفع جودة المشاريع وتعزيز الاحترافية، وهو ما أعلنته ضمن مشروع مراجعة نظام دعم المسرح وعدد من برامج الدعم الثقافي.
ولا يقف الجدل عند حدود الثقافة، بل يمتد إلى قطاع الإعلام، حيث يطالب عدد من الفاعلين الإعلاميين بنشر تفاصيل برامج الدعم العمومي والشراكات الإعلامية، والكشف عن المعايير القانونية والتنظيمية التي تحدد المستفيدين، بما يضمن المساواة بين المؤسسات الإعلامية ويعزز استقلالية الخط التحريري. وتذهب بعض الأصوات إلى المطالبة بنشر لوائح الاستفادة وتقييم أثر الدعم على جودة المحتوى واستدامة المقاولات الإعلامية، باعتبار أن الشفافية لا تحمي الإدارة فقط، بل تحمي أيضاً المؤسسات المستفيدة من أي تشكيك غير مؤسس.
وفي المقابل، تؤكد وزارة الشباب والثقافة والتواصل، في عروضها أمام البرلمان، أن إصلاح المنظومة الإعلامية وتعزيز الشفافية وتطوير النموذج الاقتصادي للمؤسسات الصحفية يمثلان من بين أولوياتها، إلى جانب إعادة هيكلة القطاع السمعي البصري واستكمال الإصلاحات القانونية المنظمة للمهنة.
ويبقى السؤال المؤسساتي الأكثر حضوراً مرتبطاً بدور أجهزة الرقابة، وفي مقدمتها المجلس الأعلى للحسابات. فاختصاص هذه المؤسسة الدستورية لا يقوم على إصدار أحكام سياسية أو إعلامية، وإنما على افتحاص تدبير الأموال العمومية وتقييم الحكامة ورفع التقارير والتوصيات عند الاقتضاء. ولهذا، فإن أي افتحاص محتمل، إذا توفرت أسبابه القانونية، سيكون هدفه الأساسي هو التحقق من سلامة المساطر وتدبير الموارد، وليس إدانة أي طرف مسبقاً. وفي المقابل، فإن عدم وجود افتحاص معلن لا يشكل بذاته دليلاً على سلامة أو عدم سلامة أي ملف، لأن اختصاصات المجلس تخضع لبرامج ومعايير مؤسساتية مستقلة.
ومن زاوية أوسع، تكشف هذه الملفات عن تحول عميق في علاقة المجتمع المغربي بالمال العام. فقبل سنوات، كان النقاش يتركز حول حجم الميزانيات، أما اليوم فأصبح المواطن أكثر اهتماماً بطريقة تدبيرها، ومعايير توزيعها، وآليات مراقبتها. وهذه علامة على تطور الوعي العمومي، حيث لم يعد السؤال: “كم أنفقت الدولة؟”، بل أصبح: “كيف أنفقت الدولة؟ ولصالح من؟ وبأي نتائج؟”
إن الدولة الحديثة لا تقاس فقط بقدرتها على تعبئة الموارد، وإنما أيضاً بقدرتها على إقناع المواطنين بأن تلك الموارد توزع وفق قواعد عادلة وواضحة وقابلة للمراقبة. ولذلك، فإن أفضل وسيلة لتبديد الشكوك ليست البيانات المتبادلة ولا الاتهامات المتقابلة، وإنما توسيع دائرة الشفافية، ونشر المعلومات، وتمكين المؤسسات الرقابية من أداء أدوارها كاملة وفق القانون، لأن قوة المؤسسات لا تتجلى في غياب الأسئلة، بل في قدرتها على تقديم أجوبة موثقة ومقنعة.
وفي النهاية، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو ما إذا كانت هذه الملفات ستخضع لافتحاص أو تحقيق مؤسساتي، بل ما إذا كان المغرب يتجه نحو ترسيخ ثقافة جديدة تجعل الرقابة ممارسة مؤسساتية طبيعية ترافق كل تدبير للمال العام، لا استثناءً يرتبط فقط باندلاع الجدل. فحين تصبح الشفافية قاعدة لا رد فعل، تتحول الثقة من شعار سياسي إلى رأسمال مؤسساتي يحمي الدولة والمجتمع معاً.