احتجاجات ميدلت… عندما تعود الجبال لتسأل الدولة: هل انتهى زمن العزلة أم تغيرت فقط لغتها؟

0
98

ليست المسيرات الاحتجاجية التي شهدتها دواوير جماعتي أكديم وأنمزي بإقليم ميدلت، وما رافقها من حراك في أنفكو وإملشيل ومناطق جبلية أخرى، مجرد احتجاجات مطلبية عابرة ترتبط بغياب طريق أو تأخر مشروع تنموي أو نقص في الماء الصالح للشرب. إنها، في جوهرها، عودة سؤال قديم ظل يلاحق السياسات العمومية المغربية لعقود: لماذا بقيت التنمية تصل إلى الجبال متأخرة، أو تصل إليها مجزأة، بينما تتسارع وتيرة التحولات الاقتصادية والعمرانية في باقي جهات المملكة؟

فالاحتجاجات التي أعادت إحياء مطالب الساكنة، جاءت لتذكر بأن الزمن السياسي لا يقاس فقط بعدد المشاريع التي تعلن، وإنما بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطن. فحين يضطر سكان القرى الجبلية إلى الاحتجاج من أجل طريق معبدة، أو مركز صحي، أو شبكة ماء، أو مدرسة تحفظ للأطفال حقهم في التعليم، فإن القضية تتجاوز المطالب القطاعية لتصبح سؤالاً عن العدالة المجالية، وعن مدى قدرة النموذج التنموي على الوصول إلى كل التراب الوطني دون استثناء.

ولذلك لم يكن من قبيل الصدفة أن يربط الائتلاف المدني من أجل الجبل هذه الاحتجاجات بذاكرة أنفكو سنة 2008، تلك المحطة التي هزت الرأي العام الوطني بعد المأساة الإنسانية التي راح ضحيتها عدد من الأطفال بسبب موجة البرد والعزلة. يومها، شكلت الزيارة الملكية للمنطقة رسالة سياسية وإنسانية قوية مفادها أن الدولة لا يمكن أن تترك مواطنيها رهائن الجغرافيا القاسية، وأن تنمية الجبل ليست إحساناً اجتماعياً، بل التزام وطني.

غير أن مرور ما يقارب عقدين على تلك اللحظة التاريخية يدفع إلى طرح سؤال مشروع: ماذا تحقق فعلاً؟ وهل استطاعت المشاريع التي أطلقت آنذاك أن تغير البنية العميقة للهشاشة، أم أنها عالجت بعض مظاهر الأزمة دون الاقتراب من جذورها؟

تكشف الوقائع أن جزءاً مهماً من الإشكال لا يتعلق بندرة البرامج، بل بطريقة تدبيرها. فالمناطق الجبلية لم تكن غائبة تماماً عن السياسات العمومية، بل استفادت من مشاريع متفرقة في مجالات الطرق والكهرباء والماء والتعليم والصحة. لكن الإشكال ظل كامناً في غياب رؤية شمولية تجعل التنمية الجبلية سياسة قائمة بذاتها، لها أهدافها ومؤشراتها وإطارها القانوني وآليات تقييمها، بدل أن تبقى موزعة بين قطاعات متعددة، لكل منها أولويات مختلفة.

وهنا يبرز جوهر النقاش الذي يطرحه الائتلاف المدني من أجل الجبل، والمتمثل في المطالبة بإقرار قانون خاص بالمجالات الجبلية. فالقضية ليست مجرد إضافة نص تشريعي جديد إلى المنظومة القانونية، وإنما محاولة للانتقال من منطق المبادرات الظرفية إلى منطق الحقوق المضمونة قانونياً. فالتجارب المقارنة في عدد من الدول ذات التضاريس الجبلية، مثل فرنسا وإيطاليا وسويسرا، أظهرت أن التنمية في هذه المجالات تحتاج إلى تشريعات خاصة تراعي الخصوصيات الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية، وتمنح هذه المناطق تمييزاً إيجابياً في توزيع الموارد والاستثمارات.

فالجبال ليست مجرد تضاريس مرتفعة؛ إنها منظومة اجتماعية واقتصادية مختلفة تماماً عن السهول والمدن. تكلفة بناء مدرسة أو مستشفى أو طريق في منطقة جبلية أعلى بكثير، وكلفة إيصال الخدمات الأساسية أكبر، كما أن الشتاء القاسي والعزلة الموسمية يفرضان نمطاً مختلفاً من التخطيط. لذلك فإن تطبيق السياسات نفسها التي تعتمد في المدن أو المناطق السهلية يؤدي عملياً إلى إنتاج تفاوتات جديدة بدل تقليصها.

ومن هنا فإن الحديث عن العدالة المجالية لا ينبغي أن يظل شعاراً دستورياً أو سياسياً، بل يجب أن يتحول إلى معايير واضحة لتوزيع الاستثمار العمومي. فالإنصاف لا يعني توزيع الموارد بالتساوي، وإنما توزيعها بحسب حجم الحاجيات وصعوبة الظروف الطبيعية.

وفي حالة ميدلت، تبدو المطالب التي رفعتها الساكنة في ظاهرها بسيطة للغاية: طرق، ماء، صحة، تعليم، سكن، وتبسيط مساطر البناء. غير أن هذه المطالب تكشف في العمق سلسلة مترابطة من الاختلالات. فالطريق ليست مجرد وسيلة تنقل، بل مدخل إلى المدرسة والمستشفى والسوق. والماء ليس خدمة تقنية، بل أساس للاستقرار السكاني والتنمية الفلاحية. أما ضعف الخدمات الصحية، فلا يعني فقط نقص الأطباء، وإنما ارتفاع مخاطر الوفيات وتأخر العلاج وتعميق الإحساس بعدم المساواة بين المواطنين.

كما أن القيود المرتبطة بالبناء في العالم القروي تطرح بدورها إشكالاً مركباً. فمن جهة، تسعى الدولة إلى حماية المجال والحد من البناء العشوائي، لكن من جهة أخرى، يرى عدد من سكان المناطق الجبلية أن تعقيد المساطر يحول دون تحسين مساكنهم أو توسيعها بما يتلاءم مع حاجيات الأسر، وهو ما يفرض مراجعة متوازنة تحقق احترام القانون دون تحويله إلى عائق أمام الاستقرار الاجتماعي.

ولا يمكن فصل هذه الاحتجاجات عن التحولات الكبرى التي يعرفها المغرب اليوم. فالمملكة تستعد لاستضافة كأس العالم 2030، وتطلق مشاريع استراتيجية في مجالات النقل والبنية التحتية والطاقة والاستثمار. وهي أوراش تعكس طموحاً وطنياً كبيراً، لكنها تضع في المقابل تحدياً لا يقل أهمية: كيف يمكن أن يشعر سكان المناطق الجبلية بأنهم جزء من هذا التحول الوطني، وليسوا مجرد متفرجين عليه؟

فالتنمية لا تقاس فقط بسرعة القطارات أو حجم الاستثمارات أو عدد الملاعب، بل أيضاً بقدرة الدولة على ضمان الحد الأدنى من الكرامة لكل مواطن، أينما كان موقعه الجغرافي. ومن هنا فإن نجاح المشاريع الوطنية الكبرى سيكون أكثر اكتمالاً إذا ترافق مع تقليص الفوارق المجالية، حتى لا تتحول الهوة بين المغرب النافع والمغرب المهمش إلى مصدر دائم للاحتقان.

وفي هذا السياق، يكتسب الحوار الذي جمع عامل إقليم ميدلت بممثلي المحتجين أهمية خاصة. فاعتماد الحوار بدل المقاربة الأمنية يمثل رسالة إيجابية، كما أن التوصل إلى اتفاق أولي يعكس استعداداً للاستماع إلى المطالب المحلية. غير أن التجربة المغربية، كما تشير إليها العديد من الحركات الاحتجاجية السابقة، تؤكد أن الرهان الحقيقي لا يبدأ عند توقيع الاتفاقات، بل عند تنفيذها.

فالوعود التي لا تتحول إلى مشاريع، والمشاريع التي لا تنجز في آجالها، تتحول تدريجياً إلى عامل لتآكل الثقة بين المواطن والمؤسسات. ولذلك فإن نجاح الحوار مرهون بوضع جداول زمنية واضحة، وآليات للتتبع والتقييم، وإشراك الساكنة والمجتمع المدني في مراقبة التنفيذ، حتى لا يعاد إنتاج الحلقة نفسها من الاحتجاج ثم الوعد ثم الاحتجاج من جديد.

أما على المستوى السياسي، فإن تجميد مقترحات القوانين المتعلقة بالمجالات الجبلية يفتح نقاشاً أوسع حول مكانة المبادرات التشريعية القادمة من المجتمع المدني. فبلوغ آلاف التوقيعات على الملتمس التشريعي يعكس وجود طلب اجتماعي حقيقي، ويؤكد أن النقاش لم يعد محصوراً في النخب، بل أصبح قضية رأي عام داخل المناطق الجبلية نفسها.

وربما تكمن أهمية هذه الاحتجاجات في أنها لم تعد تطالب فقط بتحسين الخدمات، بل أصبحت تطالب بإعادة تعريف العلاقة بين الدولة والجبل. علاقة تقوم على الحقوق الدستورية، وعلى التخطيط طويل المدى، وعلى الاعتراف بأن الجغرافيا لا ينبغي أن تتحول إلى قدر اجتماعي يحكم على أجيال كاملة بالتأخر التنموي.

لقد أثبت المغرب خلال السنوات الأخيرة قدرته على إنجاز مشاريع استراتيجية كبرى، وعلى تطوير بنياته التحتية بوتيرة متسارعة، وهو ما يجعل الرهان المقبل أكثر دقة: ليس فقط بناء المغرب الحديث، وإنما بناء مغرب يشعر فيه سكان الجبال، كما سكان المدن، بأنهم شركاء متساوون في التنمية وفي ثمارها.

وفي نهاية المطاف، لا تبدو احتجاجات ميدلت مجرد صرخة محلية تخص إقليماً بعينه، بل رسالة وطنية تقول إن التنمية الحقيقية لا تقاس بما يرتفع في المدن من أبراج وجسور، وإنما بما ينخفض في القرى والجبال من معدلات العزلة والهشاشة والإقصاء. والسؤال الذي يبقى معلقاً ليس متى ستنتهي هذه الاحتجاجات، بل متى تتحول تنمية الجبل من استجابة ظرفية للأزمات إلى خيار استراتيجي دائم يجعل العدالة المجالية واقعاً ملموساً، لا مجرد وعد يتجدد مع كل موجة احتجاج.